الجمعة، 15 فبراير 2013

رواية كهنة (قند أكوي ) لـ تاريخ الثورات الأزوادية من عام 1963م إلى2012م

  رابطة الدعاة في مالي
 Ligue des Predicateurs au Mali
   مكتب البلديّة الخامسة بالعاصمة                                     COM   V                                                                          النشاطات الدعوية والثقافية والتوعوية

ندوة كيدية بعنوان:
أزمة شمال مالي الجذور التاريخية والسياسية
تاريخ التوارق في شمال مالي
 د.عبد الرحمن سيسي
تمرُّد التوارق ضدَّ الدولة من عام 1963م إلى2012م، الأسباب والمبرِّرات
د.عبد القادر ميغا
التمرُّدُ الحالي بشِقَّيْه السياسي والجهادي
 د.هارون المهدي ميغا
بماكو
يوم الأحد 6/7/1433هـ 27/5/2012م


تمرُّد التوارق ضدَّ الدولة من عام 1963م إلى2012م
 الأسباب والمبرِّرات
د.عبد القادر إدريس ميغا
    إن شمال مالي يعاني منذ عشرات السنين بما يمكننا أن نطلق عليه تمرد الطوارق، وإن كان التمرد قد وصل حِدَّتَه حديثا، ابتداء من سنة 1990م إلى يومنا هذا، إلا أن لها جذورًا عميقة في القدم.


ولا يمكن معرفة أسباب هذا التمرُّد من غير أن نعرف ماذا كانت عليه حالة الطوارق أثناء الاستعمار حتى الاستقلال، يعني حتى سنة 1960. ومن الصعب أن أسوق الأحداث المتعلقة بمحاولة انفصال الطوارق في تفاصيلها بيد أنني سأحاول أن أقدم إليكم أهم الأحداث المتعلقة بتمرُّدات الطوارق المتكررة.


وسأتناول هذا الموضوع في مرحلتين: قبل وبعد الاستقلال.


       قبل الاستقلال:
كان الطوارق مثل غيرهم من سكان جنوب الصحراء قد عارض أكثرهم الاستعمار بقوة، ولكنهم كغيرهم انهزموا أمام أسلحة المستعمر الفتاكة، ومع ذلك لم يرضَ الطوارق بالهزيمة، وكانت معرفتهم بطبيعة الصحراء وسهولة انتقالهم في أجزائها ممَّا ساعدهم على النجاة من سيطرة المستعمر عليهم سيطرة كاملة. وكانوا ينظرون إلى احتلال الفرنسيين للصحراء تهديدا لهم؛ ولذلك كلما سمُحتْ لهم الظروف ثاروا على القوة المستعمرة، وأشهر هذه الثورات هي الثورة التي قادها فِهْرُومْ أَغْ مُلُول سنة 1916 في أدرانبكان. وكانت النتيجة هزيمته وفراره أمام المستعمر.


أما فكرة انفصال الطوارق عن السودان الفرنسي فقد بدأت تظهر بشكل ضعيف سنة 1957 عند ما حصلت الدول المستعمرة على نصف الاستقلال الذاتي، وحين كتب محمد علي الطاهر من ليبيا (وهو رئيس  قبيلة كلنتصار في تلمسي سابقا) رسالة وأرسلها إلى أخيه محمد المهدي وإلى جميع رؤساء القبائل في الصحراء يدعوهم فيه إلى رفض الالتحام مع السود في دولة واحدة.


وبعد هذا أعلنت فرنسا رسميا ولأوّل مرة عن رغبتها في تأسيس تنظيم تجمع أقاليم الصحراء باسم المنطقة المشتركة لأقاليم الصحراء


             Organisation commune des Régions Sahariennes(OCRS)
وكان الهدف  الحقيق لهذا المشروع في نظر الفرنسيين تحديد المناطق الغنية بالمعادن من الجزائر وشمال مالي والنيجر والشمال الغربي من تشاد وضمها تحت دولة واحدة لصالح فرنسا. ومن عامل الصدفة كان الطوارق من سكان هذه المناطق. وكان المستعمر يُبَرِّر رغبته هذه بالاستجابة لهم في عدم رغبتهم الخضوع لسيطرة السود.


وعلى الرغم من معارضة كثير من نواب أفريقيا السوداء في برلمان فرنسا تم تأسيس هذه المنطقة على الورقة، بالقانون الفرنسي رقم57-7-27  من 10 يناير 1957 الصادر في الجريدة الرسمية بتاريخ 12/ يناير 1957.


وكانت المرحلة اللاحقة هو العمل من أجل تحسين وتطوير مستوى المعيشة لهؤلاء الطوارق إيحاءً لهم بالاهتمام بهم، وتحقيق الترقية الاقتصادية والاجتماعية لهم المعتمدة على تقاليدهم وهويتهم الثقافية.


ولكن هذا المشروع قد فشل لسببين رئيسين: من ناحية لأن حكومة جمهورية السودان (مالي اليوم) برئاسة مودبو كيتا قد عارضت –بقوة- محاولة التقسيم؛ لأن هذه الأجزاء من الصحراء أرض السودان الغربي منذ الأزل، وليس للطوارق أرض يطالبون بها فيها.


ومن ناحية أخرى لأن رؤساء القبائل والعشائر من السنغاي والطوارق أنفسهم قد عارضوا الانشقاق. – " ففي سنة 1959 جمعت الإدارة الفرنسية في غاو الزعماء والرؤساء لقبائل ما يسمي اليوم بالمنطقتين السابعة والثامنة، حضره تيلجات ممثلا لميناكا، و أيوبا عن أنسونغو، وبادي عن غاو، وعثمان عن بورم، وانتالا عن كيدال “يمثل والده الطاهر” وقد عرض عليهم مشروع “المنطقة المشتركة للمناطق الصحراوية” فرفضوه بالإجماع.


و في أكتوبر1959 جاء المستعمر إلى كيدال حيث عقد اجتماعا كبيرا مع وجهاء الطوارق بحضور وفد يمثل حكومة الجمهورية السودانية برئاسة”مادييرا كايتا” وخلال هذا اللقاء طُرح السؤالُ التالي بكل ما فيه من وضوح ودقة،  طرح على الزعماء السبعة لقبائل الأدرار في الايفوغاس:” السودان يتجه نحو الاستقلال فهل يرغب الأدرار أن يكون طرفا في هذا الاستقلال أو يفضل أن يبقي مع فرنسا؟


وبمثل الوضوح الذي كان عليه السؤال جاءت الإجابة على لسان المتكلم باسم القبائل السيد الطاهر أغ ايلي” لقد قاتلنا فرنسا ونحن جماعة وهزمتنا ونحن جماعة واستعمرتنا ونحن جماعة وهي تواصل استعمارنا جماعة أو تعيد لنا حريتنا جماعة، أن تفرقنا أمر لا سبيل إليه.


وتم سحب فكرة الانشقاق تماما من الساحة السياسية أثناء الاجتماع الأول لحكومة جمهورية السودان بحضور المفوض الأعلى لفرنسا ومفتش المستعمرات الفرنسية. ولكن جرثومة الانشقاق  قد بقيت  في نفوس أصحابه. وأخذت هذه الجرثومة تكبر وتتسع في أوساط الطوارق وبخاصة لما ظهرت عوامل أخرى سأتحدث عنها في محلها.


بعد الاستقلال:


قبيل الاستقلال كان الطوارق موزعين بين الانشقاق والانضمام إلى جمهورية مالي. واستمر رئيس كلنتصر وهو زعيم حركة الانفصال في عناده وفكرته الانفصالية، وأدى ذلك إلى قيام الثورة الطارقية الأولى  سنة 1963م في منطقة إفوغاس داخل أراضي مالي، وتم حسم هذه القضية عسكريا سنة 1964م.


وساعد على إنهاء هذه الثورة إيقاف محمد الطاهر من قبل السلطات المغربية، وزعيم ثورة إفاغاس من قبل السلطات الجزائرية وتحويلهما إلى السلطات المالية، ولكن لا تزال هناك مَنْ تأصلت فكرة الانفصال في ذهنهم، وهؤلاء وجدوا ملجأً في بلد من بلاد المغرب.


وبعد هذا الوقت، ومن أجل منع قيام ثورات أخرى جعلت حكومة مالي الطوارق تحت المراقبة الشديدة بتكثيف حضور الجيش في الصحراء، وتحويل غاو إلى المنطقة العسكرية الأولى.


ثورة 1990م:


الحديث عن مجريات الأحداث المتعلقة بهذه الثورة ليست مجدية بقدر أهمية الأسباب المؤدية إليها وتحليلها، ولذلك سأتناول هذه الأسباب موضحا دورها في قيام الثورة.


يمكن أن نحدد أسبابا ثلاثة لهذه الثورة:


أولا: الجفاف:
في بداية السبعينيات ظهرت كارثة طبيعية من شأنها تغيير حياة القبائل الرعوية إلى الأبد، تتمثل في الجفاف الذي وصف بالجفاف الأكبر في سنتي 1972 و 1973 ونتيجة لهذا الجفاف فقد القبائل الرعوية أكثر من نصف دوابهم، وصحبت ذلك المجاعة والفقر الشديد أدى بالطوارق إلى الرحيل تارة إلى المدن الكبرى على النهر مثل غاو وتمبكتو، وتارة إلى الدول المجارة مثل النيجر ونيجيريا وتشاد والجزائر ولكن اتجاههم نحو ليبيا كان أشد بسبب غناها المستمدة من النفط. ولا يزال جزء من هؤلاء الطوارق إلى يومنا هذا في غدامس بليبيا التي أعلنها القذافي” وطنا “ للرجال الزرق.


ثانيا: التدرُّب على استعمال الأسلحة الثقيلة في ليبيا.
وفي سنة 1986 اتفقت السلطات المالية والسلطات النيجرية على العمل المشترك معا من أجل تحرير أراضي مالي أولا ثم أراضي النيجر من أيدي الطوارق. وكانت النتيجة أن اتحدت الطوارق في النيجر ومالي ، ونادوا معا ولأول مرة باستقلال صحراء مالي وصحراء النيجر لتكوّن دولة الطوارق.


ولتحقيق هذا الهدف لجا كثير منهم إلى ليبيا وعقدوا اتفاقية سرية محتواها أن شباب الطوارق  يساندون القذافي في طموحاته الزعامية  وبسط سيطرته على الدول المجاورة  وعلى العالم العربي  مقابل  دعمه المادي والمعنوي لهم في استقلال الصحراء، و كانت ليبيا قد استغلت هؤلاء الشباب في عمليات عسكرية  في تشاد ولبنان وفي الحرب الإيرانية العراقية، بعد أن دربهم تدريبا جيدا، وهؤلاء الشباب  كانوا يشكلون الأغلبية في ثورة الطوارق لسنة 1990  حتى سنة 1997م.




ثالثا: الرجوع المكثف للاجئين الطوارق:
بعد سنة 1987 بدأت عدة عوامل تجتمع لتسرع خطى رجوع اللاجئين الطوارق: منها انتهاء الحرب بين ليبيا وتشاد، حيث تم استخدام الطوارق في هذه الحرب من قبل ليبيا. ومنها أن المبالغ التي كانت ليبيا تقدمها لهم بدأت تنتقص يوما بعد يوم. ومنها وفاة سَيْنِ كونتشي رئيس النيجر سابقا، وكان يشكل موضع الخوف للطوارق، بل إن علاقته بليبيا لم تكن على ما يرام. وكذلك الإتاحة بموسى تراوري رئيس مالي سابقا الذي كان يشكل هو الآخر خطرا على الطوارق.


وفي ظل هذه العوامل رجع الكثير منهم مع أسلحتهم وأمتعتهم،  وعندما قامت الجزائر في شهر يناير1990م بطرد آلاف البدو اللاجئين عمدوا إلى التجنيد، ليكونوا نواة جيش طارقي مستعد لكل المغامرات. بل إنهم بدأوا ينظمون أنفسهم من الداخل ومن الخارج، وكّونوا حركة باسم (حركات وجبهات موحدة لأزواد)  Mouvements et fronts Unifiés de l'Azawad (MFUA)وكان أول هجوم لهم في تن تبراجين في النيجر ثم قاموا في مالي بعمليات عصابية اختطافية وبتخويف المدنيين وقتلهم، أدت إلى اندلاع الحرب بين الجيش المالي والطوارق لمدة ست سنوات متتالية، قبل الحصول على اتفاقية ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.


تقارير كاذبة من شأنها أن تزيد الطين بِلَّة:
الطوارق يُبادون في مالي، مالي تقتل طوارقها، إعدامات بالجملة بدون محاكمة، مئات القتلى، مأساة، مذابح، انتهاكات لحقوق الإنسان، هلع وهروب، تلك كانت ملخصا لعناوين المقالات والتحقيقات وتقارير المنظمات الدولية التي تناولت الصراع الدائر في شمال مالي بين المقاتلين الطوارق والجيش المالي، رغم الاختلاف بين المراسلين في تحديد الأسباب التي أدت إلى النزاع وتاريخه، إلا أنهم كانوا على اتفاق في إدانة هجمات الجيش المالي على المدنيين الطوارق الذين يرونهم عُزَّلا، والذين كان من المفترض أن يقوم الجيش ” الوطني” بحمايتهم.
        وإذا كانت التقارير قد وصفت جرائم زعمت أنّ الجيش ارتكبها ضد المدنيين بشكل يدين الدولة ويحملها كامل المسؤولية فيما وقع، فإنها على النقيض من ذلك لم تذكر أية خروقات ولا جرائم قام بها الطرف الثاني في الصراع، وهم المقاتلون الطوارق. والحقيقة أنّه بينما كان الجيش المالي يستهدف معسكرات الطوارق، كانوا هم يجدون في المدنيين والقرى السنغية والفلانية  هدفا سهلا؛ لإشباع رغبتهم في الانتقام؛ ولممارسة الضغط على الجيش النظامي.


  المبررات: هناك مُبرِّرات كثيرة تعلَّل بها هؤلاء المتمردّون في تمرُّدهم، منها:
- يزعمون أن المساعدات الدولية المخصصة لهم كانت تختلس من طرف الحكومة فتفجر السخط فحوله الإيشومار إلى حرب عصابات لم تتوقف منذ ذلك الحين.


-         أنهم مهملون اقتصاديا وسياسيا
-         أن الدولة لا تهتم بتنمية منطقتهم.
ولا يحتاج تفنيد هذه المبررات إلى جهد كبير، فالكل يعلم أنَّ ما تنفقه الدولة على الطوارق لا يجد مثله أي مالي آخر في الشمال. فعلى مستوى السياسة كان بعض الطوارق يتجولون في المناصب الوزارية في حكومات مالي بينما لا نجد في بعض الحكومات أي وزير لا من السنغي ولا من الفلانيين وهم الأكثرية في الشمال، فرئيس المجموعات المحلية من الطوارق، وأذكر أن السديد أَغْ اِنْبَرْكَوَانْ نائب رئيس البرلمان الحالي كان -ولا يزال- هو الذي يمثل مديرية غاو في البرلمان منذ عهد موسى تراوري حتى يومنا هذا مع أن سكان مدينته هو لا يتجاوزون 500 نسمة.


على مستوى الاقتصاد مدير البنك الريفي من الطوارق ويرأس في الآن نفسه مشروع تنمية الشمال الممول من دولة مالي والدول الغربية، و لا ننسى أن مالي كانت تقيم لهم مدارس متنقلة في حلهم وترحالهم كي يتعلم أولادهم، وهو أول خطوة للتنمية. هذه النماذج المذكورة أردتُ بها الاستشهاد فقط؛ إذ لو أردتُ التحدث عن كل ما تقدمه الدولة للطوارق لما استطعتُ.


      الأسباب الحقيقية لثورة1990م:
يأتي في صدارتها عدم الرضا بأن يرأسهم رجل أسود؛ لأن في نظرهم خلق الله السود عبيدا وخُدّاما للآخرين. ثم إن هذه المنطقة  قد تركها الجيش والحكومة المالية للطوارق يعملون بها ما يريدون، فحولوها إلى محور تجارة المخدرات والسجاير، والأسلحة، واختطاف السياح الغربيين، وكل هذا بقصد جمع الأموال والتسلح لليوم المنتظر الذي نعيش فيه اليوم. وهذه العمليات تقتضي حرية التصرف وعدم المراقبة. ولذلك لمَّا أرادت الحكومة إرجاع الجيش إلى الشمال ببناء معسكرات في أهم مدن الصحراء، رأى الطوارق ذلك تهديدا لحريتهم التجارية فلابد من إيقاف الحكومة عن مشروعها.


ثورة يناير 2012م:
لقد عادت ثورة الطوارق بقوة لم يسبق لها مثيل، ولستُ هنا لأتحدث عن تفاصيلها فكل منا عاش هذه الأحداث، فقط أريد أن أتناول أهدافها والخطوات الممهدة لها فيما يلي: 


لا تختلف الأهداف الحقيقية لهذه الثورة عن ذي قبلها، إلا أنها ولأول مرة تصرح  بها علنا وتجعلها شرطا للمفاوضة وهي عدم قبول رئاسة الرجل الأسود، والحل هو الانفصال عن مالي، وهذا الانفصال في مخططهم سيكون على مرحلتين، المرحلة الأولى: الحصول على الاستقلال الذاتي داخل جمهورية مالي لبعض الفترة، والوسيلة هي تخويف جمهورية مالي عن طريق الأسلحة ووسائل الإعلام حتى تقتنع مالي بأن لا خيار لها، فتقبل المشروع.


 وبعد سنوات تأتي المرحلة الثانية وهي الاستقلال النهائي والوسيلة هنا الضغط على مالي عن طريق المحافل الدولية وإلا فبالأسلحة. بَيْد أن الظروف التي مرت بها الدولة سهلت تحقيق أهدافهم في مرحلة واحدة، وهذه الظروف كما سهلت أمامهم الحصول على الأقاليم التي يرونها لهم، أيضا جعلتهم في ورطة وتخبط. فقد وجدوا أنفسهم أمام أراض واسعة من غير استعداد مسبق للمترتبات، من حيث مجالات التنمية: التعليم والصحة والاقتصاد والتنظيم السياسي ... وهذا ما يشكل جزء فشلهم من الآن.


وأما الخطوات الممهدة لها فتتلخص في الآتي: 
أولا : الاتفاقيات المختلفة من عهد موسى تراوري إلى آخر اتفاقية، كل هذه الاتفاقيات كانت تخدم الحالة التي نحن فيها الآن: أذكر منها مثلا سحب الجيش الوطني من منطقة كيدال، واستبدال المتعسكرين الطوارق بهم.
ويمكن أن يضاف إلى هذا البند تخصيص أموال هائلة لتعويض الطوارق وإقامة مشاريع تنموية في المناطق الصحراوية. وقد تم شراء الأسلحة بهذه الأموال.


ثانيا: محاولات إيجاد حل محلي لها:
كانت المحاولات التي قامت بها الحكومات المتعاقبة قد شكلت عقبات أخرى فنجد ألفا عمر كوناري يبعد أغلبية المواطنين في الشمال وهم السنغاي ثم الفلانيون عن ساحة المفاوضات تقليلا من شأنهم بل إن إبراهيم أبو بكر كيتا قد أعلن في غاو بأنهم لا يقبلون جماعة غَندكوي في الجيش؛ لأنهم غانيون وليسوا ماليين. وبالمقابل كل من قدم الطوارق اسمَه يتم ضمه إما إلى الجيش وإما إلى الجمارك أو إلى الشرطة وغيرها من المناصب، وإن كان من النيجر أو من موريتانيا.


كما إن سياسة ألفا كوناري لحل المشكلة  كانت تعتمد على تحويل عرب الصحراء إلى قوة مضادة للطوارق وسرعان ما تحالف الطرفان. كما إن سياسة أمدو تماني توري بعد أن فشلت مع إمازغان ( سورغو) لجأ  إلى أراذل الطوارق لحل المشكلة وهم بسطاء الطوارق ( دَاغَا) مما أغضب أسياد الصحراء ومحاربيها، وفضل الموت على سيادة قبائل داغا عليهم.


ثالثا: ضعف جيش مالي وإفشاء الرشوة بينهم
فمنذ أكثر من عشرين سنة لم يعد لنا جيش يمكن الاعتماد عليه، فأغلب الجيش سماسرة وتجار فلا يلحق بالجيش إلا من يدفع أكثر، فهنا لا يسأل عن الكفاءة واللياقة البدنية. أكثر من هذا أنه أثناء مسابقة الالتحاق بالجيش يُحضِر كبار الجيش في غاو أقاربَهم فيأخذون مقاعد غاو في الجيش وهذا هو الوجه الآخر للرشوة.


رابعا: مؤامرة كبار المسؤولين في غاو مع الطوارق وتجار المخدرات، وإهانة المواطنين من السنغي والفلانيين، ومن المؤامرات العمل من أجل ألا يكون مَنْ أصله من غاو وَاليًا عليه، ولا أعرف في تاريخ غاو من شغل منصب الوالي وهو من سكان غاو على الأقل منذ عهد موسى تراوري إلى يومنا هذا. بينما لا يكون واليا على كدال إلا من اقترحه سكان كدال وبشروطهم.


  خامسا: موقف الرئيس أمدو تماني توري من فرنسا والجيران الذي لا يحسد عليه 
في السنوات الأخيرة من فترة أمادو تماني توري اشتدت العداوة بينه وبين جيرانه الجزائر موريتانيا من جهة، وبينه وبين فرنسا من جهة أخرى. فقد كانت الجزائر تتهمه بضَعف الشخصية أمام من أسمتهم بالقاعدة، وبالعجز عن محاربتها، وخاصة لما قبل توري تحت تهديدات فرنسا بإطلاق سراح بعض المسجونين من القاعدة مقابل الإفراج عن الفرنسي المختطف. بينما تتهمه فرنسا وموريتانيا بعدم التعاون المشترك من أجل القضاء على القاعدة في الصحراء. والنتيجة أنهم شكلوا ثلاثية عدائية ضده، يترصدونه ويتآمرون ضده عن طريق الطوارق، وإفساد سمعته من الخارج.
   
سادسا: نهاية القذافي وتهريب أسلحته إلى مالي وقلة حيلة الرئيس أمدو تماني توري في التعامل معها


تورط الجزائر وليبيا وموريتانيا:
لقد عقدت الجزائر اتفاقيات مع الطوارق مفادها: أن يتكفل الطوارق بمحاربة الجماعة السلفية الجزائرية في صحراء مالي مقابل تمديدهم بالأسلحة والمئونة، والدفاع عنهم في المحافل الدولية والإقليمية، وحذف أسمائهم من الإرهابيين، والترويج لهم عن طريق وسائل الإعلام. والذي يتابع الصحف والإذاعات يعرف أن الصحف الجزائرية تعرف كل حركات الطوارق في الشمال. وفي هذا يقول أحد محللي الجزائر، محمد مقدم الحياة: أفادت مصادر متطابقة أن مختار بلمختار القيادي البارز في «الجماعة السلفية للدعوة والقتال»، كبرى الجماعات الإسلامية المسلحة الجزائرية، قُتل مع اثنين من مساعديه خلال تبادل لإطلاق النار مع جماعات معارضة مسلحة في شمال مالي.


ورأت أوساط أمنية جزائرية أن مقتل بلمختار المطلوب دولياً يكتسب أهمية خاصة، لا سيما أنه جاء بعد أقل من أسبوع على إعلان انضمام «الجماعة السلفية» إلى «القاعدة». واعتَبر دبلوماسيون جزائريون مقتل «الأعور» على أيدي مسلحي المعارضة المالية، «هدية» إلى السلطات الجزائرية على الجهود التي بذلتها لوقف الحرب الأهلية التي اندلعت في مالي قبل شهور. ويؤشر استهداف المعارضة المالية أحد قيادات «الجماعة السلفية» إلى رغبة الطوارق في نفي الاتهامات الجزائرية لهم بالارتباط بجماعات إرهابية.


ويعتبر بلمختار (34 عاماً) أحد أبرز قيادات «الجماعة السلفية»، وهو كان منذ تأسيس التنظيم المسلح نهاية العام 1998 «حلقة الربط» الأساسية مع تنظيم «القاعدة»، كما كان المصدر الأساسي للأسلحة والذخيرة التي كانت تحصل عليها الجماعة من شبكات تجارة السلاح التي تنشط في منطقة الساحل الصحراوي.


     أما ليبيا فإنها مدينة للطوارق فقد استخدمتهم في حروبها القذرة كما مر بنا فلا بد من مساعدتهم ماديا ومعنويا للحصول على ما يريدون، وهذا ما تظهره ليبيا، ولكن القذافي له أهداف أخرى يسعى من خلال الطوارق إلى تحقيقها، تتلخص في قيام دولة الساحل والصحراء الكبرى بزعامته على غرار الولايات الأمريكية المتحدة، ولذلك كان يمطر عليهم الأموال والأسلحة تمهيدا لتحقيق هذه الأهداف.


  وأما موريتانيا فمشكلتها هي أن كثيرا من طوارق الصحراء من أصول موريتانية؛ ولذلك أصبحت موريتانيا ملجأ لهم ومنطقة انسحاب استراتيجي في حالة هجوم الجيش المالي، ويضاف إلى ذلك أن موريتانيا هي التي تشجع فكرة عدم  قبول رئاسة الرجل الأسود من قبل البيض، وإن كان السود أضعاف البيض متخذة وضع موريتانيا الحالي دليلا ونموذجا. ولكن موريتانيا تتجاهل تماما الحقائق التاريخية والسياسية لمنطقة شمال مالي......


      مشكلة فرنسا: لقد ذكرنا بأن فرنسا كانت ترغب في ضم المناطق الصحراوية الغنية مع الجزائر إلى ممتلكاتها، الأمر الذي رفضه مودبو كيتا. وهذا يشكل في  نظر فرنسا هزيمة مخجلة لا يسامح عليها، فأرادت  تبديل ذلك بتحويل صحراء مالي إلى منطقة استراتيجية بعد الاستقلال، وهذا الطلب الأخير تمَّ رفضه قطعا من كل الحكومات المتعاقبة.


ولذلك قامت فرنسا بضم اسم مالي إلى القائمة السوداء، والعمل من أجل منع تقدم مالي وازدهارها مستخدمة كل الوسائل بما في ذلك الدفع بالطوارق إلى التمرد والثورات، ودعمهم بالخطط الجهنمية والاستراتيجيات الشيطانية. 


 الحل الدائم لهذه المشكلة: لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وتقول الحكمة: من لم يأخذ من ملته مات في علته.
الحل هو –أولا- إكثار شباب السنغاي والفلانيين في الجيش الجمهوري، فهم أعرف بطبائع الطوارق من غيرهم، وأجدر بإسكاتهم.
 ثانيا تشجيع قيام حركات شبابية دفاعية من أجل الدفاع عن القرى النائية عن الحواضر حالة هجوم الطارق عليها. وأعتقد أن الكل يتذكر دور غَنْدَكُوْي في إخماد نار ثورة الطوارق السابقة. 


                                         د.عبد القادر إدريس ميغا
                                      أستاذ في جامعة الآداب والعلوم الإنسانية
                                                            بماكو 6/7/1433هـ 27/5/2012م
******************************
التمرُّدُ الحالي بشِقَّيْه السياسي والجهادي
د.هارون المهدي ميغا  

  أشكر للإخوة في مكتب البلديّة الخامسة الذين أحسنوا بي الظنَّ فأسندوا إليَّ هذا المحور الشائك، اللهم أنت أَعْلمُ بي من نفسي، وأنا أَعْلَمُ بنفسي منهم؛ فاجعلني- اللهمَّ- خَيرا مِمَّا يَظنُّون، واغْفِرْ لي ما لا يعلمون، ولا تُؤاخِذْني بما يقولون، واحلُلْ عُقدةً من لساني يَفْقُهوا قولي، لا حول لي ولا قوَّة إلاّ بك.

الجانب السياسي للتمرُّد الحالي:

لهذا الجانب أنوع كثيرة؛ لاختلاف الأطراف التي يتعلق بها، فهناك ما يتعلق بحكومات مالي، وبالمتمردين أنفسهم، وبالأغلبية في شمال مالي، وببعض الدول الخارجية.

أَّوَّلا: الطرف الحكومي:

إنّ سياسةَ حكومات مالي وبخاصة حكومة ATT هي التي أَسْهَمتْ في تمرُّد عام 2012م، فقد كانت تقوم على مبدأين:

أ‌-     مبدأ لا حرب ولا سلم.

ب‌-مبدأ الاستجابة لمطالبات الطوارق والمجموعة العربية بمناصب عليا في الحكومة؛ فنتج عن ذلك:

-       تعيينُ وزير منهما في كلّ حكومة؛ برغم أَنَّ تعيينَ الوزراء في مالي لا يقوم على أساس الانتماء القبلي.

-   فتحُ الأبواب لهم على مصارعها في كلّ المجالات السياسية، والإداريّة، والأمنيّة، من غير الاستفادة من تجارب سابقة خانوا فيها الوطن والشعب.

-   التشجيع الضمني والصريح لهم على ثقافة حمل السلاح للحصول على ما يريدون من مناصب ومكاسب وأموال؛ بسبب التنازلات التي تقدّمها لهم حكومات مالي كلَّ ما حملوا السلاح، بل قامت هذه الحكومات من أيّام ألفا عمر كوناري بتزويد مجموعات من الطوارق والعرب بالسلاح بحجّة أنّهم مُوالُون للحكومة ويشاركونها في مُحاربة المفسدين من المجموعتين عن طريق فِرَق خاصة بكلِّ مجموعة بعيدا عن قيادة الجيش الماليّ. أليس هذا صورة من صور دولة داخل دولة، وغطاء سياسيا حكوميا لمسلِّحيهم؟؟

       ثانيا: ما يتعلق بالطوارق والعرب أنفسهم: 

-   استغلال أصحاب المناصب العليا منهم لمناصبهم في مختلف إدارات الحكومة والمؤسسات الأهلية الداخلية والخارجية، استغلال مناصبهم لمساعدة إخوانهم المتمردين ماديا ومعنويا، سياسيا وأمنيا، اجتماعيا واقتصاديا وإعلاميا. ومَن يبحث عن دليل فلْيبحثْ عن هؤلاء منذ البدايات الأولى للتمرُّد سيجدهم إمَّا مُلتحِق بالمتمردّين، أو مُتظاهِر باللجوء إلى الدول الأخرى؛ خوفا على نفسه، أو باقٍ لِذَرِّ الرماد في العيون وهو في الحقيقة واجهة جاسوسية ودفاعية لهم، يظهرون في وسائل الإعلام الماليّة وغيرها ويدعون بالعودة إلى الاتفاقيات الأولى للخروج من الأزمة وإخوتهم الأشقاء يُفسدون في مُدُن الشمال وقُراهم وبينهم اتصال دائم.

-       استغلال كلّ فُرصة مُتاحة وبخاصة ضعف حكومات مالي سياسيا، واجتماعيا، وعسكريا، وإعلاميا.

-   إجادة اللعب على وَتَر الأقليّة البيضاء وسط الأكثرية السوداء؛ لاستمالة المنظمات والدول الغربية التي تسمِّي نفسها بمدافعات عن حقوق الأقليّات، وهي في الحقيقة مُستغلاَّت للأقليات، ووسائل للحكومات الغربية للضغط على الحكومات الضعيفة في العالم، أو الرافضة لبعض توجهات الغرب، ليس في مالي – فحسب- بل في العالم كلّه. انظر إلى الأقباط في مصر، والأقليّة الشيعيّة في دول الخليج، والأقليّة البربريّة في الجزائر والمغرب...إلخ.

ثالثا: ما يتعلَّق بالأغلبية في شمال مالي:

إنّ هذه الأغلبية مسالمة بل نائمة، وقد خانتها حكومات مالي منذ اتفاقيات عام 95-1996م حيث قبِلتْ بالامتيازات الهائلة التي أُعْطِيَتْ للطوارق والعرب في الشمال وفي إدارات الحكومة، في حين  مَحَتْ حركة المقاومة الشعبية غاندَكُويْ التي وضعت السلاح بعد الاتفاقية المذكورة وانخرط عدد قليل جدّا من أفرادها في  بعض دوائر الحكومة، وشُرِّد آخرون بمبالغ زهيدة دُفِعَتْ إليهم. بل شدَّدتْ حكومات ألفا و ATT في جمع السلاح الموجود بيد بعض أفراد هذه الأغلبيّة في الشمال في حين غضَّتْ الطرف عن السلاح الموجود بيد الطوارق والمجموعة العربية، بل زوَّدتْ كثيرا بالسلاح والمال تحت غطاء الموالون للحكومة.

رابعا: الطرف السياسي الخارجي:

يتمثَّل في بعض الدول الغربية، والدول المجاورة كالجزائر وموريتانيا، والمنظمات الغربية الحقوقية والسياحية وغيرها.

أمّا فيما يتعلق بالدول الغربية فأوَّلها وأخطرها فرنسا التي أعطتْ التمرُّد الحالي غطاء سياسيا وإعلاميا بارزين. وقد قطعت جهيزة قول كلِّ خطيب بإعلان الوزير الفرنسي للتعاون الدولي في شهر فبراير في وسائل الإعلام الفرنسية RFI ، FRANCE 24 ، عن لقاءات سريَّة في باريس بين ممثلين من حركة المتمردين الطوارق ومُمثلين من الحكومة الفرنسية، وممَّا دار حوله المباحثات أن يُثبت المتمردُّون الطوارق قدرتهم على مساعدة فرنسا في محاربة القاعدة في صحراء مالي!!! بالله عليكم كيف يُثبَت ذلك على أرض الواقع بدون حمل السلاح والتمرُّد؟!!! ومَنْ منكم يتوقَّع البدء بدون دعم لوجستيّ سياسي وإعلامي وعسكريّ  حتى إنّ هناك مَن يقول بأنّ أسلحةً فرنسيّة وصلت إلى المتمردِّين عن طريق موريتانيا!!!

            ومن مظاهر الدعم الفرنسي– منذ بداية الأحداث- الظهورُ البارز للناطقين باسم التمرُّد وبخاصة موسى السديد في وسائل الإعلام الفرنسية RFI ، FRANCE 24 وغيرهما، وإجراء لقاءات تلفزيونية معه بشكل يومي. يؤيِّد ذلك اختفاؤه شبه الكامل منذ سقط سَرْكَزايْ (سركوزي). ثمَّ أليستْ فرنسا هي التي تقدَّمتْ بمشروع إلى مجلس الأمن واقترحَت الحلَّ السياسي وبدأتْ في تسويقه دوليا وإفريقيا وعلى مستوى CEDAO ؟ فهل تظنّ أنَّها استشارتْ مالي والماليين؟ كلاَّ

         وهناك غطاء سياسي وإعلامي وملجأ آمن لهؤلاء المتمردين من قِبَل بعض الدول المجاوِرة، وبخاصَّة الجزائر وموريتانيا. فالسياسة الثابتة للدولتين هي أحقيَّة هؤلاء المتمردِّين في مطالباتهم بالسيطرة على الشمال-على الأقلّ عن طريق حكم ذاتي- ولذلك تُصِرُّ الدولتان على أن يقتصر تعاونُهما مع مالي في محاربة المتمردين على محاربة القاعدة، دون محاربة المتمردين الطوارق والعرب. وقد كان هذا سبب خلاف شديد بين وزير خارجية مالي السابق سوميلو بوبَّي ميغا وبين وزيري خارجية الجزائر وموريتانيا في اجتماعهم بنواكشوط في شهر فبراير الماضي. كما سحبتْ الجزائر ممثليها العسكريين من شمال مالي، ووقفت دعمها العسكري لمالي في الشهر نفسه بمجرَّد هجوم الجيش المالي على المتمردين الطوارق بعد أحداث أغلوق!!! ثمَّ كيف يُتصوَّر أن يبقى القنصل العامّ الجزائري والعاملون معه في قنصليَّة الجزائر في مدينة غاو في حراسة المتمردّين الطوارق وقد غادرها موظفو الحكومة، ورجال الجيش والأمن، حتى تمَّ اختطافهم من قِبَل حركة التوحيد والجهاد؟!!!

ومن المعلوم أنّ الجزائر اتَّخذَتْ حركة التمرُّد ورقة ضغط سياسيَّة على حكومات مالي لتأييد مواقفها في القضايا الدوليّة كقضيَّة بوليساريو، وفي عدم السماح بقواعد عسكريَّة لفرنسا أو أمريكا في تيساليت؛ خوفا على نفسها.

أمَّا المنظمَّات الغربية السياحيّة والثقافيّة فقد ركَّزت جهودها في الدعم الماديّ والإعلامي والسياسي في دولها.

كلُّ هذا جزء يسير من الجانب السياسي للتمرُّد الحالي.

الجانب الجهادي للتمرُّد الحالي وهدفه تطبيق الشريعة:

 تجدونا في هذا العنوان شيئين الوسيلة: الجهاد، والغاية: تطبيق الشريعة.

        لن أتحدَّث عن الجهاد في هذا التمرُّد؛ لأنّي بكلّ صراحة لا أجد فيه أيّ جزء يتعلَّق بالجهاد في الدين الإسلامي، لا في حركة التمرُّد التي تُسمَّى MNLA ؛ فقد أعلن المتحدِّث باسمها موسى السديد بصراحة في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة أنّها حركة علمانيّة وستقيم دولة علمانيّة!!!! ولا في حركة الجهاد  MUJAOوأنصار الدين. ولقد تمَّ الاتفاق بينهم يوم أمس 26/5/2011م على استقلال الشمال تحت اسم: دولة الأزواد الإسلاميّة، وتطبيق الشريعة فيها. ثمَّ الطلاق البائن بسبب انكشاف حقيقة أنّهما وجهان لعملة واحدة، وأنّهم إنّما كانوا – ولا يزالون- يذرُّون الرماد في العيون. 

       هذا التمرُّد بطوائفه إنّما هو مُحارَبةٌ لله ورسوله وسعيٌ في أرض الإسلام بالفساد.

       من الأدلّة: أنّ القتلى والمشرَّدين من ديارهم وأموالهم، والنساء المغتصبات مسلمون([1])، والأعراض المنتهكَة، والأموال المنهوبة، كلّها لمسلمين، وانظر إلى الزواج بمسلمات تحت تحديد السلاح، وترهيب المسلمين، فأيُّ جهاد هذا؟!! ، أَوَليس (( المسلم مَنْ سلم المسلمون من لسانه ويده ))؟

ومن الأدلَّة أنّ الجهاد إنَّما يدعو إليه إمام المسلمين إمامةً صغرى أمير بلد إسلامي مُعيَّن وبشروط، أو إمامة كبرى خليفة لكلّ المسلمين، ولا شيء ينطبق عليهم.

 ومن الأدلَّة: أنّه ثبت بما لا يَدَع مجالا للشكِّ ومن أشخاص ثقات وعلماء لا يزالون في الميدان أنَّ كثيرا من أفراد الداعين إلى تطبيق الشريعة  في الحركة الجهاديّة وأنصار الدين بمدينة غاو ممّن تحاوروا معهم أكَّدوا لهم بأنّهم إنّما غُرِّر بهم؛ إذ كانوا يقولون لهم أنتم ستقاتِلون كفَّارا، لكنّ الواقع الذي وجدوه أثبت لهم عكس ذلك منذ فجر يوم هجومهم على مدينة غاو حين سمعوا آذان الفجر ينطلق من جميع جوانب المدينة وقُراها!!! وكلُّكم تعرفون أنَّ هذا مانع أساسي من غزو قوم أو بلد باسم الجهاد. الوسيلة-إذن- فاسدة وباطلة.

فلْننظر في الغاية والهدف الذي أعلن عنه حركة الجهاد وأنصار الدين، وهو تطبيق الشريعة الإسلاميّة؛ لأنّ في إثبات فساد الهدف وبطلانه دليلا آخر على فساد الوسيلة؛ فعندنا نحن –المسلمين- الغاية لا تبرِّر الوسيلة.

تطبيق الشريعة غاية نبيلة يسعى فيها أو يرغب فيها كلُّ مسلم حقيقي، لكنَّه في هذا العصر أو في كثير من المجتمعات الإسلاميّة يحتاج إلى توفير الأرضية عن طريق:

1- التدرُّج، والتدرُّج مبدأ إسلامي أصيل، ومقصد إنساني عظيم، بُنِي عليه كلُّ أحكام الإسلام، وبخاصَّة في مجال التطبيق والتنفيذ, ويُقصَد به أخذ الأمر شيئا فشيئا، ومرحلة مرحلة، لا دفعة واحدة. وله ثلاثة أنواع هي: الأوَّل: التدرُّج في التشريع، ومعناه: (( أن يكون مقصود المشرِّع تشريع صورة معيَّنة لكن يُتوسَّل إليها بتشريع مؤقَّت قاصر عن الصورة المقصودة ثمَّ يتدرَّج المشرِّع حتى يصل إلى صورة المنع التي كانت مقصودة له أوَّل الأمر، ومن أشهر أمثلته التدرُّج في تشريع الخمر على أربع مراحل)), والنوع الثاني: التدرُّج في إبلاغ الصورة التشريعيّة، ومعناه: (( بيان بعض الدين والحق والسكوت عن بيان بعضه إلى أن يحين وقته. ومن أشهر أمثلته حديث معاذ بن جبل المشهور لمَّا بعثه النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى قوم أهل كتاب)). والنوع الثالث: التدرُّج في التنفيذ، (( وفيه تكون الصورة التشريعيّة معلومة بيِّنة ولكن يُسكَت عن إنفاذها وتحقيق مقتضياتها)). هذا النوع هو الذي ينطبق على الحال التي نتحدَّث عنها. ومن أشهر أمثلته قصة الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي جاء إلى الحكم بعد مظالم وقعت على الناس من الذين قبله وأراد العدل وردّ المظالم فلم يقُمْ بتغييرها دفعة واحدة وإنّما تدرَّج في الإصلاح والتطبيق والتنفيذ. وفي القصة أنّ ابنه عبد الملك دخل عليه فقال له: (( يا أبتِ، ما منعك أن تمضي لما تريده من العدل؟ فو الله ما كنتُ أُبالي لو غَلَتْ بي وبك القُدورُ في ذلك، قال: يا بُنَيَّ إنّي إنّما أُرِّوض من الناس رياضة الصعب، وإنّي أُريد أن أُحيِي الأمر من العدل فأُؤخِّر ذلك حتى أخرج معه طمعا من طمع الدنيا فينفروا من هذه ويسكنوا لهذه))([2]). فانظر إلى هذا الخليفة لديه القوَّة التي تمكِّنه من تحقيق العدل دفعة واحدة، لكنّه – بحكمته وبعد نظره الشرعي- رأى:

1- التدرُّج   2- ترسيخ الوازع والنازع الدينين. 3- عدم حمل الناس عليه بالقوَّة؛ لأنّهم سيرجعون عن الحق والعدل بأدنى فرصة تُتاح لهم.

إنّ موقفه هذا مبني على الموازنة بين المكاسب والخسائر، وعلى قاعدة: الأخذ بأخفِّ الضررين، وقاعدة: درء المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح. ولا يمكن لعاقل واعٍ أن يتهم عمر بن عبد العزيز في موقفه هذا بأنّه يدخل في قوله تعالى: {{ ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}}[المائدة44]، ولا قوله: {{ ومَنْ لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون }}[المائدة45]، ولا في قوله: {{ ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}} [المائدة 47]. وإذا كان هذا موقفه وهو خليفة المسلمين في القرن الثالث الهجري أحد القرون التي شهد لها الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيريّة فما بالك بقرننا؟!!! أوَ لم يترك الرسول صلى الله عليه وسلم إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم؛ خوفا من ردَّة قريش، وترك قتل المنافقين وهو في المدينة حتى لا يُقال إنَّ محمَّدا يقتل أصحابه؟، فهل هذه تعطيل للشريعة؟ لا، بل هي جزء لا يتجزَّأ من تطبيق الشريعة. أفَلَسْنا مطالبين بالتدرُّج وبهذه المواقف في السعي لتجديد التمكين للدين!!بلى. فكيف إذا كانت المفاسد التي ترتَّبتْ على هذا التمرّد أكثر وأشدّ من المكاسب؟.

2- الإعداد الجيّد لتطبيق الشريعة: بترسيخ المناعة الذاتية في الفرد وفي معظم المجتمع، أو ما اصطلح عليه العلماء بالوازع الديني والنازع الديني. إنّ ترسيخ الوازع والنازع الدينيين أهمّ مقاصد الإسلام ووسائله في تطبيق الشريعة على المسلم الفرد والمجتمع الإسلامي، وصَمام الأمان للالتزام بأوامر الله واجتناب نواهيه؛ لأنّهما يزرعان في الفرد والمجتمع شُرْطِيَّيْن يلازمانه في حركاته وسكناته، ويراقبانه سرًّا وجهرا. الشرطي الأوّل يسهر على ترغيبه في التزام الأوامر، هذا هو الوازع الديني، والشرطي الثاني يسهر على إبعاده عن ارتكاب المعاصي، هذا هو النازع الديني، والأصل وجودهما عند أكثر المسلمين مهما تفاوتوا فيهما، ومع ذلك فالبيئة الإسلامية ليست معصومة من انحراف المنحرفين؛ فقد بدأ هذا الدين غريبا وسيعود غريبا كما بدأ, وليبلُغَنَّ هذا الدين ما بلغ الليلُ والنهار.

فكان الواجب على هؤلاء الذين يزعمون تطبيق الشريعة:

 أوَّلا: ترسيخ الوازع والنازع الدينيين.

ثانيا: الأخذ على يد الفئة القليلة التي ضعُف لديها الوازع أو النازع الديني؛ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة؛ ثمّ بالعقوبات الشرعية المحدَّدة أو التي تحقق المصالح وتدرأ المفاسد. وكلّ ذلك ممّا لا يمكن أن يتمّ بين عشيّة وضحاها؛ ولا أن تقوم به مثل هذه الجماعة؛ فلتغيير المنكر شروط، ومراحل، ووسائل، وأساليب. وما تقوم به هذه الجماعات بعيدة عن المنهج الإسلامي الصحيح في تغيير المنكر، ومن باب أولى عن التطبيق الصحيح للشريعة التي تشمل جميع جوانب الحياة.

ثالثا: حتى لا يخضع تطبيق الشريعة للهوى والفوضى والرغبة في الانتقام كان عليهم توفير الأدوات والوسائل التي تتولَّى تطبيق الشريعة. إنَّ تطبيق الشريعة في حاجة شديدة إلى دولة ذات سلطات تنفيذية، وتشريعيّة، ورقابيّة، وأمنيّة. وفي حاجة إلى تكوين القضاة. والشروط المتعلِّقة بتولِّي القضاء ليس سهلا في الإسلام، وكذلك الشروط المتعلِّقة بشخص القاضي، أم بعلمه، أم بمدى التزامه هو بالدين، أم بقوَّته في الحق. ولا أجد شيئا منها في هذه الجماعة التي تريد تطبيق الشريعة في شمال مالي. والدليل أنّهم –منذ سيطروا على الشمال- إنّما يلجأون إلى بعض علماء المنطقة ودعاتها في المسائل الدينيّة، ولديهم في هذين الأسبوعين قضايا مُكدَّسة؛ بسبب غياب بعض هؤلاء الذين يستفتونهم عن مدينة غاو، أليس في هذا دليل قويٌّ على جهلهم بما يدعون إلى تطبيقه؟ وكيف يطبق الشريعة أو يجاهد في تطبيقه مَنْ لا يعرف منها إلاّ اسمها، والانطلاق من حماسٍ طاغٍ على العقل والدين؟ ثمَّ كيف تستعين في تطبيق الشريعة بأناس إنّما غَزَوْتَهم؛ لأنَّهم لا يعملون بالشريعة؟!!!

      بناء على ما تقدَّم أقول:

1- في ظلّ وجود عدّة دول إسلامية: ما الدولة التي ستُجاهِد؟ وتُجاهِد مَن؟ ولِمَ؟ وكيف؟ ومتى؟ ثمَّ أين هذه الجماعات من تطبيق الشريعة على المجتمعات التي جاءت منها؛ بناء على {{ وأنذِرْ عشيرتَك الأقربين}}.

2- إنَّ التعدَّي على شعب دولة مسلمة من دولة أخرى أو من جماعة باسم تطبيق الإسلام من الحرابة. وعقوبة الحرابة تُنَزَّل على كلّ طائفة وُجِد فيها أمران: محاربة الله ورسوله، والسعي في الأرض فسادا. وقد اكتمل الشرطان في هذه الجماعات بمختلف أسمائها: فهي جماعات حِرابة، مهما تسمَّتْ بأسماء، وأعلنت عن أهداف نبيلة.

3- ينبغي توعية الشباب الإسلامي ومنعه من الالتحاق بهذه الحركات باسم الجهاد أم بغيره؛ لأنّ فيه تهلكةً لهم، والله تعالى يقول: {{ ولا تُلقُوا بأيديكم إلى التَّهْلُكَة وأَحْسِنوا إنَّ الله يُحِبُّ المُحْسنين}} [البقرة195]؟ وفيه إرهاب للمسلمين، وتشريد لهم، وتجويعهم، وسفك لدمائهم، وانتهاك لحرماتهم ولأعراضهم، فأيّ جهاد هذا، و(( المسلم مِنْ سلِم المسلمون من لسانه ويده))؟؟؟.

        ما الآثار لهذه الأحداث؟

        لقد نتُج عن هذه الأحداث آثار إيجابيّة وسلبية، أشار إليها أحد الباحثين:([3])

        فمن الإيجابية:

-   إ يقاظ النائمين المسالمين والراكنين إلى عدم حمل السلاح من أبناء هذه المناطق ومالي {{إنَّ الله لا يُغيِّر ما بقوم حتى يُغيّروا ما بأنفسهم}} وإنّ من التغيير ما هو مُزَلزل لكنَّه يولد خيرا كثيرا ؛ فإنّ مع العسر يُسرا.

-   الشهادة الداخليّة والإقليمية والدولية بامتياز على عدم وفاء الطوارق والمجموعة العربية في مالي بالأمانة ولا بالإخلاص للمجتمع؛ فقد أعطاهم الرئيس توري كلَّ شيء، وأطلق لهم العنان في مختلف مجالات الدولة، ومع ذلك خذلوه وخذلوا شعب مالي في جميع الجوانب.

-   أنّ سياسات مالي القادمة مع الجزائر وموريتانيا يجب أن تقوم على أساس المعاملة بالمثْل، وهو مبدأ إنساني، وديني، وسياسي، واجتماعي قويم، لا سيما في العلاقات بين الدول. فعلى مالي أن تأوي المتمردين من الجزائر وموريتانيا أيّا كان انتماؤهم وأهدافهم، وأن تساعدهم ماديًّا ومعنويا، وعسكريا وسياسيا، مقابل إيواء البلدين لطوارق مالي وعربه ومساعدتهم ماديًّا ومعنويا بل وعسكريا وسياسيا. وقد سمعتم أنّ المجموعة العربية عقدت لقاء في موريتانيا، وأعلنت رسميا عن جناح عربي مُسلَّح، وآخر سياسي!!!  

       ومن الآثار السلبية:

- أمنيا، لن تجد بلدا في منطقة الساحل عربيها وإفريقيها يسلم أمنيا من الأحداث، فلو تمَّ لهؤلاء ما أرادوا فسيقول كلُّ بلد لقد أُكِلتُ يوم أُكِل الثور الأبيض.

- اجتماعيا، زيادة الكراهية والتنافر بين أفراد المجتمعات في الساحل بين الأفارقة والطوارق والعرب، لا سيما في ظلّ ثبوت تواطؤ بعض الدول العربية مع الطوارق كالجزائر، وموريتانيا، وقطر. ناهيك عن الأحداث الفظيعة التي ارتكبوها ضدَّ أبناء القبائل الأخرى في ممتلكاتهم وأعراضهم ونفوسهم.

- دينيا، إضعاف موقف الهيئات الإسلامية في مالي من أهل السنَّة والجماعة، التي كان لها حضور قويّ في السنتين الأخيرتين، ونجحت في تكوين جماعة ضغط قويّ على الحكومة كي لا تتخذ قرارات أو تصدر قوانين تمسُّ شؤون دينهم الإسلامي. فما أن ظهرت حركة أنصار الدين في مدن الشمال حتى بدأت الاتهامات تُكال لأهل السنَّة والجماعة، في وسائل الإعلام المحليّة والدولية (فرنس 24، وبي بي سي، وغيرهما) تصِف هذه الحركة بأنَّها حركة (وهابيَّة) تستعمل العنف والسلاح جاءت من السعوديّة ومصر. وبأنَّها تختلف عن حركات أنصار الدين الصوفية الإفريقية المعتدلة المسالمة كالتي في مالي!!!!.

     ما الحلّ ؟ ما منْ مُشكلة إلاّ ولها حَلٌّ إذا خلُصتْ النيّات، وأريد تحقيق الحق وإبطال الباطل. وقد ذكر أحد الباحثين حَلََّين اثنين لا ثالث لهما:([4])

       أحدهما: سلميٌّ وهو القبض على المجرمين بدون استثناء وتقديمهم للمحاكمة داخل مالي أو خارجها، وإعادة المسروقات والمنهوبات إلى أهلها، وتعويض المتضرِّرين، وبقاء الأقاليم ماليّة. ولا بدّ من المحاكمات العسكرية لكلّ الطوارق والعرب الذين انسحبوا من الجيش والأجهزة الأمنية والإدارية وغيرها والتحقوا بالمتمردين. لكنّ هذا الحلّ مُستَبعَد؛ للتجارب السابقة مع حركات تمرُّد الطوارق والعرب التي لم يستطيعوا أن يُحقِّقوا فيها ما حقَّقوه في التمردِّ الحالي.

             الآخر: استعمال أقسى قوَّة عسكريّة وماديّة لقتال هؤلاء المتمردين بجميع طوائفهم، سواء عن طريق جيش مالي والأجهزة الأمنية أم عن طريق شباب شمال مالي وغيرهم من المتطوِّعين بقيادة حركة غاندَاكُوي وغيرها؛ فالحديد لا يُفَلُّ إلاّ بالحديد؛ ولأنّ ما أُخِذ بالقوَّة لا يُردّ ردّا سليما إلاّ بالقوّة، ثمّ لطبيعة الطوارق والعرب الذين لا يخضعون إلاّ لسلطة قويّة، مهما أُوتُوا.

       ولا فائدة حقيقيّة من أيّ مفاوضات لا تنطلق من هذين الحلَّين أو لا يشترك فيها بقيَّة قبائل المنطقة. أمّا الحلول السياسية التي يبحث فيها السياسيون فلا جدوى منها؛ لأنَّه ليس للسياسي صديق دائم الصداقة، ولا عدوٌّ دائم العداوة، وإنّما يميل حيث تميل الرياح!!!                                         

سبحانك اللهم لا إله إلاّ أنت أستغفرك وأتوب إليك، وصلى الله وسلّم على نبيِّنا محمد.

                                                                    د.هارون المهدي ميغا

بماكو 6/7/1433هـ 27/5/2012م



1 - كالذي حدث في مدينة غاو بعد السيطرة عليها،  وفي مدينة كابرا مساء الجمعة 6/4، 2012م
2- مجلة البيان سنة 27، العدد 297، جمادى الأولى 1433هـ أبريل 2012م ص9، مقال: التدرج في تطبيق الشريعة، المفهوم والرؤية، أبو فهر السلفي أحمد سالم، ص8-11
3- انظر: من قصَّة المتمردّين الطوارق في مالي، سعد المهدي، 09/5/2012م، 18/6/1433هـ، ص9 (غير منشور)
4 - انظر: المرجع السابق والصفحة نفسها.

*****************************
تاريخ التوارق في شمال مالي
 د.عبد الرحمن عبد الله سيسي 
بعض أشراف قبيلة  د.عبد الرحمن عبد الله سيسي 
في هذه العُجالة سوف نتناول التوارق من خلال العناصر الآتية:

- المصطلحات التي أُطلِقَتْ عليهم (أسماؤهم)

- أصولهم

- حياتهم الاجتماعيّة

- حياتهم الاقتصاديّة

- حياتهم السياسيّة 

أسماؤهم:

عُرِف الشعب التارقي بأسماء متعدِّدة حسب اختلاف الزمان والمكان، ومنها:
بربر:

 تردَّد هذا المصطلح في كتبات العرب؛ لتعيين القبائل الأعجميّة القاطنة بشمال القارة الأفريقيّة. وزعموا أنّ أفريقش بن قيس هو أوَّل من استخدم المصطلح ساخراً ومُتهكّماً بأصوات لغاتهم الصاخبة والمختلطة.

المُلثَّمون:
عندما أخذ الكُتَّاب يقصدون التحرِّي والدقَّة استخدموا مصطلح (المُلثَّمون) لتخصيص قبائل بربريَّة معيَّنة، ويقول ابن خلدون: (( هم المُلثَّمون الموطّنون بالقفر وراء المال الصحراويّة بالجنوب...وصاروا ما بين بلاد البربر وبلاد السودان)) [ كتاب العبرط1، 2/2287]. وأخرجهم من الجنس البربري العامّ بنعتهم بالتلثُّم، وتحديد موقعهم الجغرافي.

الطوارق، التوارق، التوارك:

ظهر هذا المصطلح عند الكُتّاب السودانيين مستبدلاً بالمُلثَّمين في القرن السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، ولكن لم يُحدِّدْ أصل التسمية، ومقصودها. ويقول السعدي: (( التوارق هم المسوفة، ينتسبون إلى صنهاجة، وصنهاجة يرفعون أنسابهم إلى حِميَر، وليس بينهم وبين البربر نسب إلاّ الرحم، وأنّهم خرجوا من اليمن وارتحلوا إلى الصحراء، موطنهم بالمغرب))

أصولهم:
تباعدتْ وجهات النظر في أصل التوارق، وبعضها منسوجة في منوال الأسطورة، ولكن لها مغزى اجتماعي، لتعبيرها عن نظرة الشعوب المجاورة لهم إليهم، منها:

أ‌-     براءة آدم عليه السلام منهم، ونفيه انتسابهم إليه، كما ورد على لسان الشاعر الأندلسي السمسيري:    

رأيتُ آدم في نومي فقلتُ له         أبا البريّة إنّ الناس حكموا

أنَّ البربر نسلٌ منك، قال-إذن-    حواء طالقة إن كان ما زعموا

ب‌-هُجناء من إماء فارسيّات وآباء من الجنّ؛ فجمعوا بين طبيعة الجنّ وصورة بني آدم. وهذا يُمثِّل وجهة نظر سنغي(سنغاي) التي تفترض وجود علاقة نسب ووشيجة قرابة بين الطوارق(البربر) والشياطين من حيث الطبع والسلوك[ تاريخ الفتاش ص29].
تنبيه/ ما رواه الدكتور ميغا هنا يدل على أنه ملفق مدلس فتان لا تربطه مع العلماء المسلمين صلة حقيقية...والحقيقة هي أن قبائل سنغي هي التي تربطها العلاقة مع الجن لأن 99% منهم سحرة مشعوذون يشبهون الجن في كل شيء مثل هاؤلاء !!!
**********************************
ج- ادِّعاء العروبة [انظر: تاريخ السودان للسعدي ص25، والتوارق، للقشاط ص73]

د- دعوى اليهوديَّة. هذا الرأي لا تستند إلى دليل تاريخي قويّ.

هـ- أخيرا: أعتقد أنّ التوارق من القبائل الحامية القاطنة في شمال أفريقيا، وتعرَّتْ لغزوات خارجيّة نتج عنها اختلاط عرقي ودموي بين الغُزاة والمغزوِّين، واندمج فيهم اليهود للتقارب اللَّوني عند ما أراد ملوك سنغاي البطش بهم [ راجع تاريخ الفتاش 62].

التوارق والمواطنة:

للتوارق حقُّ المواطنة التاريخيّة، والمدنيّة الحديثة، وهم أقليَّة يسكنون في شمال جمهوريّة مالي من تنبكتو...  بإقليم موبتي، مجاورين للقبائل الأخرى حتى حدود الجزائر والنيجر.


حياتهم الاجتماعيّة:

يتميَّز المجتمع التارقي بالتماسك والتعاضد؛ وذلك لاحترامه البناء الهرمي التسلسلي الذي يتألَّف من الأسرة التي تعدُّ الخلية الصغرى ، وتسمَّى (الخيمة). فالعشيرة التي تتألَّف من أسر متعدِّدة تربطها قرابة الدم والولاء. فالحيّ(الحلّة) التي تمثِّل مجتمعا كبيرا. فالقبيلة التي تتكوَّن من مجموعة من الأحياء التي تنتمي إليها.

الطبقات الاجتماعيّة:

يتألَّف المجتمع التارقي من طبقات أهمُّها:

أ‌-     طبقة الأحرار النبلاء، وتنقسم إلى:

1- إموشار Imouchar أو إمازيغان Imajghan.

2- طبقة الأحرار غير طامحين في الزعامة، إمغاد Imagad، وإدنان Idnan.

ب- الطبقة المتديِّنة أو المتفقِّهة Inesemes: 1-الأشراف  2- كَلْ انتصار  3-كَلْ السوك

ج- الطبقة الدنيئة:

1- المولَّدون من إموشار وغيرها Iregeynaten

2- الحرفيون والمهنيُّون أو الحدَّادون والفنّانون

3- العبيد المملوكون Iklen و Bella

حياتهم الاقتصاديّة:

إنّ التوارق لَشعبٌ غاصٌّ في عمق المعاجم؛ فأدرك معاني مادّة مهن وحرف، ووعاها فترفَّع عن كلّ ما له علاقة بهذه الجذور؛ لعلاقتها الوثيقة بالعبوديّة والدونيّة حتى الزراعة. (( ويحتقر التوارق الزراعة ولا يحسنونها أصلا، ويعدُّونها من عمل العبيد))[التوارق، القشاط ص85]. حتى التجارة قلَّ أن تجد تارقياًّ يحترف التجارة. إنّما اختاروا لأنفسهم مصادر رزق يرون فيها شرفا، ويجدونها فخرا، وارتاحت إليها نفوسهم، ولا لوم ولا عتاب!! وهم أحرار، ولهم الحريَّة المطلقة. ومن تلك المصادر:

1-الغارات القبلية، أو النهب المسلَّح وقطع الطريق، حيث يسرقون مواشي القبائل المجاورة بل يسرقون أطفال القبيلة ويستعبدونهم ويستغلُّونهم أبشع استغلال، ولا فرق بين التوارق والعرب في هذه الظاهرة؛ ولذلك اشتهر العرب عند السوننكيين بـ" سُرَكَ" (السُرَّاق). وقد ارتبطت العروبة عند قبائل الصحراء بالسرقة وبخاصَّة سرقة الأطفال، ولا يزال العرب الموريتانيون يمارسون هذه الظاهرة اللاإنسانيّة في حقّ جيرانهم السود، سكّان القرى الحدوديّة –حسب علمي- حتى اندلاع ثورة 26 مارس 1991م وطغيان التمرُّد التارقي، حتى تنَّبه الشعب المالي للخطورة، وقدَّموا حلولا مناسبة.

2- خدمة العبيد: حيث يقوم العبيد وBella لكلّ الأعمال الشاقَّة، ويعيش السادة النبلاء من عروقهم ودمائهم.

3- طرق القوافل ( الأدلاّء)، رشَّحهم موقعهم الجغرافي لأن يكونوا حقل وصل بين الشمال الأفريقي والمدن الأفريقيّة جنوب الصحراء؛ فقاموا بدور الدليل أو التكشيف على مدار التاريخ. ويقول ابن بطوطة: (( التكشيف اسم لكلّ رجل من مسوفة يكتريه أهل القافلة))[ رحلة ابن بطوطة 676].  (( واكترينا التكشيف في هذه السَّفرة بمئة مثقال من الذهب، وهو من مسوفة))[ المصدر نفسه  ص676]، (( ولمَّا عزَمتُ على السفر إلى مالي....اكتريتُ دليلا من مسوفة))[ المصدر نفسه 678].

            4- التسوُّل: في حالة العجز لا يأبون عن التسوُّل والتكفُّف مُستغلاًّ علاقة الجوار والتاريخ.

    وقد ظلّ بعض التوارق أوفياء لتلك السلوكيات حتى الآن؛ فاشتدّ التلازم بينهم وبينها تلازم البعير رُغاءه، وتدلُّ عليهم دلالة البعرة على البعير، والدخان على النار، وكلّ ما سمع الناس تمرّدا واختطاف ممتلك ربطتْ أذهانهم بين الحادثة والتوارق.

    وقد استحدثوا وسائلها:

           1- إثارة الثورات المسلَّحة، وإرهاب الحكومات الضعيفة، والتحكُّم في الحكَّام الخَوَنَةبمطالب خياليّة على الشعب المنتج البريء، كوضع جمهورية مالي من تأسيس حزب UDPMإلى اليوم.

وقد احتلّ أفراد من التوارق باسم الشماليين المناصب السياسية والإداريّة والعسكريّة وما زادهم إلاّ تمرُّدا {{ وأنّه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجنّ فزادوهم رهقا}} [ الجنّ 6]. ولم تُجدِ المعاهدات، ولم تَشْفَع المناصب التي تبوئوها من غير حقٍّ ولا استحقاق.

              2- اختطاف السُّيَّاح الأجانب من المعاهدين والذميين الذين وفدوا إلى هذا الوطن الحبيب بتأشيرات منحتها السفارات أو القنصليّات الماليّة المعتمدة في الخارج، وبيعهم للقاعدة أو المطالبة بمبالغ.

               3-استغلال المنظَّمات في تمويل مشاريع وهميّة لن تُنفَّذ، بل تنفق الأموال في الكماليات كاللباس الفاخر، والسيارات الفاخرة، والتجوال بين صحراء الشمال والعاصمة.

وقد أُفِقتْ مبالغ طائلة (خياليّة) باسم التنمية في الشِّمال، ولكن دون تنمية، ولا تزال الحاجة ماسَّة إلى ضروريات الحياة من ماء ودواء، وتكثر الوفيّات في الأطفال حتى كأنّ النساء الشماليات يلِدْنَ للموت.

4- تجارة المُخدِّرات وقطع الطرق: وقد فقدتْ الحكومة المركزيّة السيطرة على الأقاليم الشماليّة ما يزيد على عشرين عاما، أو سلَّمتْها قصدا لقُطَّاع الطرق تختطف السيَّارات، والسُّيَّاح الأجانب؛ فينتهي المسلسل التراجيدي بواسطة وجهاء التوارق، والإشادة بجهودهم في استقرار الأمن والسَّلامة، ومنحهم جوائز وميدليّات، دون ضبط الجناة وعقابهم. وقد قصرت الدبلوماسيّة الماليّة هدف التمرُّد المندلع 23 مايو 2006م في حماية طرق تجارة المخدِّرات، وتهريب الأسلحة، كما ورد على لسان وزير الخارجية ورئيس الدبلوماسيّة الماليّة معالي السفير مختار وان في مؤتمر صحفي عقده مع السفراء والمنظمات والهيئات الدوليّة المعتمدة لدى جمهورية مالي.

حياتهم السياسيّة:

تثبت الكتب التاريخيَّة أنَّ التوارق من الشعوب المكوِّنة لمماليك غرب أفريقيا وإمبراطوريّاتها ولكن لم يعرفوا نظاما سياسيًّا، ولم يؤسِّسوا دولة متعارَف عليها كغيرهم من الشعوب[انظر: التوارق، القشاط، ص32] إنَّما جرتْ عادتُهم باستغلال الأحداث وانتهاز ضعف الأنظمة السياسيّة لقضاء وطَرِهم، كما فعلوا مع أهل غانة ؛ إذ انتهزوا ضعفها فاستغلّوا اسم الإسلام والجهاد لتأسيس دولة المرابطين. يقول ابن خلدون: (( ثمّ إنَّ أهل غانة ضعف مُلكُهم، وتلاشى أمرهم، واستفحل أمر الملثَّمين المجاورين لهم من جانب الشمال ممَّا يلي البربر، وعبروا على السودان واستباحوا حماهم وبلادهم، واقتضوا منهم الإتاوات والجزي، وحملوا الكثير منهم على الإسلام فدانوا به))[ العبر2/2479]

لا أدري ولا أكاد أدري أيُّ إسلام حملوا عليه الناس؟ وأيُّ إسلام كان عليه أهل غانة قبل الجهاد المُجهِض؟ وقد نقل ابن خلدون نفسه قوله: (( وكان أهل غانة قد أسلموا في أوّل الفتح الإسلامي، وذُكِر أنَّ بغانة جالية إسلامية كبيرة، وعددًا من المساجد(12) مسجدا منذ عام 60هـ 680م))، بل أسلم ملكها السوننكي تُلُوتَان Tloutan  حوالي 222هـ 877 م بينما يؤرِّخ للدولة المرابطيّة الجهاديَّة بزعيم قبيلة لمتونة محمد المعروف بـ: تارشتي 424هـ 1033م، وعبد الله بين ياسين ت 440هـ بفارق 202عام.

بل إنّ الملك غير المسلم الذي يتعاقب ملوكها المسلمون يقرِّب المسلمين ويحترمهم، ويعتمد عليهم في تسيير أمور الدولة، أيُّ إسلام يجيز قتال مَنْ لم يقاتل المسلمين ولم يتصدَّ للدعوة؟

إنّ التاريخ يعيد نفسه!! وقد انسحب جيش مملكة مالي من تنبكتُو أمام سلطان موشي الذي دخل فيها وأفسدها وحرَّقها وخرَّبها، وقتَّل، فوَلَّى إلى أرضه، ثم رجع إليها أهل مَلِّ وملوكها مئة عام من 637هـ إلى 737هـ.

في آخر دولة أهل مالي أخذ توارق مقشرن (مسوفة) يغيرون على المدينة ويفسدون في الأرض من كلِّ جهة، حتى انسحب النظام المالي، وطرد التوارق حامياتهـ وحكموا تنبكتو وأروان وولاتة أربعين عاما بدءا من 737هـ حتى حرَّرها سُنِّي علي بير في 4/5 رجب 873هـ وذلك بعد ثلاث سنوات من اعتلائه مملكة سنغاي إذا استولى عليه 879هـ؛ فهرب زعيم التوارق أكِلِّ أَكَمَلْوَلْ.

وقد حدث حراك شديد بين التوارق ومجاهدي مملكة دينا بماسينة.

وهناك محاولات مبذولة لمكافحة الاستعمار انتهت بتوقيع اتفاقيّات ومعاهدات.

وقد أعاد التاريخ نفسه فحكموا الشمال شهرين من 30 مارس 2012م إلى اليوم.

                                                     د.عبد الرحمن عبد الله سيسي

                                                 أستاذ في المدرسة العليا لإعداد المعلمين

                                                    بماكو 6/7/1433هـ 27/5/2012م

*******************
تنبيه لكل نبيه / الاتحاد أورد هذه الهرتقة - الفيهقة - السفسطة - الخزعبلات التي سردها كهنة (قند أكوي - قندا إيزو ) ليعلم من لا يعلم من أصحاب القلوب البيضاء من شعبنا الأزوادي ما يحيكه ضدهم بعض المحسوبين على الشمال الذين لا يفتأ الأزواديون يدافعون عنهم ويحمونهم ويشاركونهم حلو الحياة ومرها ويحسنون بهم الظن ويعتبرونهم إخوة لهم في الدين وشركاء في الأوطان إلا انهم يكيدون للأزواديين مع من يكيد لهم من الأعداء ويتربصون بهم الدوائر ويتجسسون عليهم وينتقصونهم ويحتقرونهم ويستهزئون بهم ويتلصصون على أعراضم وبنهتكون أسرارهم ويبيعونها على أسيادهم الجنوبيين ولا يرعون في مؤمن أزوادي إلا ولا ذمة ...حسبنا الله ونعم الوكيل... اللهم اشف قلوبهم واهدهم إلى الصراط المستقيم واكفنهم بما تشاء ... آمين

الخميس، 14 فبراير 2013

الأزواديون والجنوبيون شركاءُ الأمس وجيرانُ المستقبل وإخوةٌ في الدّين فلم التّناحر؟

الإتحاد الوطني الأزوادي
ثورة التغيير والبناء والتطوير
البيان رقم : 7
أيها الواهمون المنخدعون المسيّرون "الأزواديون - الجنوبيون" 
الذين خدعتهم فرنسا فألقت بينهم العداوة والبغضاءَ استيقظوا من 
سُباتكم العميق وأفيقوا من سكرتكم وانتبهوا من غفلتكم..واحذرُوا 
أن تخدعَكم فرنسا المستعمِرة هذه المرّة كما خدعَت آباءَكم الأولين 
الذين أخضعتهم بالقوة واستعبدتهم ثم سلّطت بعضَهم على بعض 
بعد أن باعتهم وأكلت ثمنهم ثم حوّلت بلادَهم إلى سِجن كبير!
أيها الوطنيون الكرماء اعلموا جيدا أنّ هذه الحرب ليست حربًا بين 
لونين أو عرقين أو عنصرين أو قبيلين..وليست حربًا بين شعب 
أزواد وشعب جنوب مالي أبدا..بل إنّها حربٌ سياسية استعمارية 
فرنسية غربية تخوضُها فرنسا وحلفاؤها لاحتلال البلاد واستعباد 
العباد وسرقة خيرات أزواد...فلا تنخدعوا بشعارات الأعداء.
أيها الوطنيون الصّالحون المصلحون "الأزواديون - الجنوبيون"
أصلحُوا ذات بينكم وقُودُوا أمّتكم إلى ما فيه صلاحُ أمر دينها 
ودنياها.. فهناك مؤامراتٌ خبيثةٌ تُحاكُ ضدّكم وضد بلادكم..
وتذكرُوا جيدا أنّ من الثوابت التي لا يمكن أن تتغيّر أبدا أنّ شعب 
الجنُوب أخٌ شقيقٌ لـ شعب أزواد..ويجبُ على أبناء الشّعبين تبادل 
المودّة والإحترام باستمرار مهما حصل..وأن يتعاونُوا على عمارة 
بلادهم وترك شئون الحرب للمحاربين..!!فإن حصل الأزواديّون 
على حكم ذاتي موسّع فهذا يعني أنّ الشّعبين لا زالا شعبًا واحدا..
وإن تمكّن الشّعب الأزواديّ من الإستقلال وتقرير مصيره فهذا 
يعني أنّ شعب الجنُوب سيكون جارًا عزيزًا لـ شعب أزواد وعلى 
الشّعبين أن يتقاسم أبناؤهما حُلوَ الحياة ومُرّها ويتبادلُوا المصالح..
وفي كلتا الحالتين سيبقى الأخيار من أبناءِ الشّعبين إخوةً في الدّين 
وشركاء وجيرانٌ إلى الأبد...هذه إرادة الله ولا يصحّ إلا الصحيح..
أما الأشرارُ والأنذال والمستعمرُون والخونةُ والمرتزقة والعملاءُ 
والمتآمرُون وتجّارُ المصالح فسيذهبون إلى مزبلة التاريخ غير 
مأسوفٍ عليهم بإذن الله تعالى..(إنّ الله لا يُصلحُ عمل المفسدين)..
فيجب على عقلاء شُعوب بلادنا أن يوحّدُوا صُفوفهم ويتصدُّوا 
لهجمات عدوّهم المشترك "فرنسا وحلفاءها"..فقد ثبتَ بما لا يدع 
مجالا للشّك بعد مُرور أكثر من شهر على انطلاق الحملة العسكرية 
الفرنسية الصّليبية الإستعمارية على ثرى بلادنا الحبيبة أنّ فرنسا 
اعتمدت في حملتها على "سياسة فرّق تسد" استراتيجيّا لتحقيق 
مآربها وأهدافها التي كان من أبرزها ما يلي :
1- محاولة احتلال أزواد مرّة أخرى بعد إخلائه تماما من كلّ من 
ليس تابعا لـ فرنسا "ثقافيّا وسياسيّا واقتصاديّا وعسكريّا" وتسليمها 
لأذناب فرنسا وحلفائها المستعمرين أعداء الشّعب الأزوادي القتلة 
السّفاحين العنصريين الإقصائيين المتفرنسين الفرنكفونيين...
2- محاولة سرقة الثورة الأزوادية الشّعبية الوطنية وتحويلها عن 
مسارها السّياسي النّضاليّ الذي تتبناه حركاتٌ انفصاليّةٌ شعبيّةٌ لها 
مطالب وطنيّة شرعيّة قانونيّة إلى مسار عُنصريّ عِرقيّ مذموم 
لتتحوّل هذه الحرب من صِراع بين جيش باماكو المستعمِر وبين 
جيش التّحرير الوطني الأزوادي إلى صِراعاتٍ عرقيّة ونزاعاتٍ 
قوميّة تُديرها فرنسا المستعمِرة وحُلفاؤها بواسطة الآلة الإعلامية 
المنحازة لخداع شُعوب بلادنا والتّحريش بينهم وإيهامهم أنّ الثورة 
الأزوادية لم تكن من أجل الإستقلال أو تقرير المصير بل كانت ولا 
تزال حربًا تدُور رحاها بين (بين السّلفيين والعلمانيين - بين السّود 
والبيض - بين العرب والطّوارق - بين الأقليات والأكثرية )إلخ..
3- تذويب وتمييع المشرُوع الوطني الأزوادي الشّعبي (الإستقلال 
وتقرير المصير) واختزاله في حلول مسيّسة مؤقتة مغلفة بكثير من 
الوعود الكاذبة والشّعارات البراقة لإسكات بعض السّذج الثائرين 
من الفُرقاء الأزواديين المتدابرين المشغولين بالتّناحُر والتّحاسُد 
والتّباغُض والتّدافع لتقاسم فُتات ما تمنّيهم به القوى الإستعمارية 
المتحالفة ضدّهم ريثما تُحْكم فرنسا الخبيثةُ الماكرةُ قبضَتَها على 
رقابهم جميعًا وتساومهم على حياتهم وحرّيتهم وبلادهم ومشروعهم 
بأبخس الأثمان بعد سحق أقوياء شعبهم وتشتيتهم بين دول الجوار!!
4 - أن تتحول القارة الأفريقية المسلمة الفقيرة المهمّشة إلى منطقة 
حرب ساخنة تنشط فيها المافيا العالمية وتتنقل بحرية تامة لتزدهر 
تجارة الأسلحة والتّهريب والجريمة المنظمة لينشغل المسلمون في 
هذه القارة الفقيرة عن عمارة بلادهم بالتّناحر فيما بينهم باستمرار 
ليُبيدَ بعضُهم بعضًا تحتَ ألويةٍ مختلفة وشعاراتٍ متباينةٍ وأهدافٍ 
متناقضة لا تخدمُ الإسلام والمسلمين ولا تخدم المصالح الوطنيّة 
الشّعبية..لكي تضعف شعوبُ بلادنا وتنكسّر شوكتُهم ويجد الغرب 
مبرّرات ومسوّغات للتّدخل في شئونهم الخاصة متى شاء!!
5- أن تبقى جيوشُها الإستعمارية إلى أجل غير مسمّى بعد إبادة 
شعب أزواد وتشتيته وتوزيعه بين دول الجوار ليخلو الجوّ لـ فرنسا 
بعد الاستيلاء على بلادنا لاستعمارها سياسيا واقتصاديّا وعسكريّا 
ريثما تُولد أجيالٌ متفرنسة لا تعرف وليًّا لنعمتها أو سُلطانا عليها أو 
حاكمًا شرعيّا تدين له بالولاء والتّبعية غير فرنسا المستعمرة..!
كما حدث في الخمسين سنة الماضية حيث اعتقد كثير من المغفلين 
المتفرنسين الفرنكفونيين قبل هذه الثورة أنّ أيّ مواطنٍ أزواديّ 
غير متفرنس لغويًّا وثقافيًّا فلا مرحبًا به بل وعليه البحث عن وطن 
بديل إذ لا يحقّ له الحصولُ على عمل شريفٍ في مالي الفرنسيّة 
حتّى لو تخرّج في أرقى جامعات العالم الإسلاميّ غير المتفرنس!!


إنا لله وإنا إليه راحعون..حسبنا الله ونعم الوكيل..نعم المولى ونعم 

النصير..لا حول ولا قوة إلا بالله..اللهم احم بلادنا وشعبها من كيد 
أعدائك وأعدائهم يا رب العالمين..اللهم زلزل الأرض تحت أقدام 
الغزاة الفرنسيين وحلفائهم وأعوانهم..اللهم اهزهم ومزّقهم شرّ 
ممزّق يا قوي يا عزيز..اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندرأ بك 
في نحورهم.. اللهم اكفناهم بما تشاء..اللهم آمين يا رب العالمين.


والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
4 / 4 / 1434 هـ
14 / 2 / 2013 م

الأربعاء، 13 فبراير 2013

بيان اتحاد علماء إفريقيا حول الأوضاع في منطقة الصحراء الكبرى


الحمد لله رب العالمين ؛ والصلاة والسلام على خاتم المرسلين؛ وعلى آله وصحبه أجمعين ؛ وبعد :

يراقب اتحاد علماء إفريقيا بكل ألمٍ الأوضاع الخطيرة التي تعيشها منطقة الصحراء الكبرى؛ فمن خلال متابعة الأحداث الجارية في المنطقة في الشهور الثلاثة الماضية يمكن إجمال الوضع  كالآتي :

‌أ-       بوادر مجاعة تواجه الملايين نتيجة لموجة الجفاف التي ضربت المنطقة الممتدة على الشريط الصحراوي الذي يشمل أجزاء من السنغال وموريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وصولا إلى السودان .

‌ب-  العمليات المسلحة التي تدور في شمال مالي ؛ والتي أدت إلى نزوح مئات الآلاف من المدنيين إلى الدول المجاورة أو إلى مناطق داخل مالي في ظل الأوضاع المعيشة الصعبة أصلا.

‌ج-    تداعيات العمليات العسكرية بين الجيش المالي والجماعة المسلحة في الشمال ؛ والتي قد تمتد إلى الدول الأخرى المطلة على الصحراء؛ وما قد ينتج عنها من زعزعة للأمن والاستقرار في المنطقة بأكملها ؛ والانقلاب العسكري في مالي يعتبر بادرة لهذا الوضع.

‌د-      بوادر الفوضى والانفلات الأمني في ظل العمليات العسكرية مما قد ينذر بمجابهات وعمليات ثأر وانتقام بين الشعوب والقبائل ليزيد من حالة البؤس الناجمة عن الجفاف.

*ففي ظل هذه الأوضاع الخطيرة والمنذرة بما هو أخطر يرى الاتحاد ضرورة إصدار هذا البيان معلناً ما يلي :

1)    يطالب اتحاد علماء إفريقيا كافة الأطراف بوقف العمليات المسلحة فوراً واللجوء إلى المفاوضات حقنا للدماء؛ وتيسيراً لوصول المعونات إلى ضحايا الجفاف والنازحين من المدنيين .

2)    يناشد الاتحاد الهيئات الخيرية والمنظمات الإنسانية بسرعة المبادرة إلى إغاثة المتضررين من موجة الجفاف قبل أن يصل الأمر إلى حدّ المجاعة.

3)    يدعو الاتحاد المنظمات الإقليمية والقارية التي تنضوي تحت عضويتها دول المنطقة ؛ الاتحاد المغاربي ؛ والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ؛ والاتحاد الإفريقي إلى تكثيف الجهود لإيجاد حلول دائمة للمخاطر التي تحيط بالمنطقة.

4)    يطالب الاتحاد الهيئات الإسلامية الدولية؛ ويخص منظمة التعاون الإسلامي ؛ ورابطة العالم الإسلامي؛ والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ؛ ورابطة علماء المسلمين إلى بذل جهود مشتركة ومنسقة مع اتحاد علماء إفريقيا والدول والمنظمات والهيئات ذات العلاقة لإيجاد حلول عاجلة ودائمة لهذه الأوضاع في هذه المنطقة التي يدين غالبية شعوبها  بالإسلام .

 5)    يعمل الاتحاد من خلال أعضائه في أطراف القارة من أجل التهدئة والنجدة حسب الآليات المحددة، ويبدي جاهزيته وترحيبه بكل جهد في الوساطة والإغاثة من أي طرف في سبيل إيجاد حلول لهذه الأوضاع؛ ليعود السلم والأمن والرخاء إلى المنطقة.

    والله ولي التوفيق

*رئيس اتحاد علماء إفريقيا *
*الدكتور / سعيد برهان عبد الله *
________________________________

*اتحاد علماء إفريقيا *

*ص ب: **E** 525   باماكو جمهورية مالي  هاتف 76323061/20790759(00223)*

BP/P.O.BOX: E525 Tel: (+223)20790759/76323061 BAMAKO MALI Email:
█████████@██████  www.africanulama.org

أزمة مالي والتدخل الخارجي

المركر العربي للأبحاث ودراسة السياسات
   10 فبراير ،2013 وحدة تحليل السياسات في المركز

بعد انقضاء اثنين وعشرين يومًا على بداية التدخّل العسكري الفرنسيّ في مالي، حلّ الرئيس الفرنسيّ فرانسوا هولاند في مدينة تومبكتو في شمال مالي في 2 شباط / فبراير 2013، في إعلانٍ واضح عن نجاح القوّات الفرنسية مدعومة بقوّات الجيش الماليّ وقوّات من دول المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا في تحقيق الهدف الرئيس لما أطلقت عليه فرنسا تسمية "عملية الهرّ الوحشي"، وهو استعادة السيطرة على المدن الرئيسة التي وقعت في قبضة المجموعات الإسلامية المتطرّفة المتحالفة مع المتمرّدين الطوارق*. لكن الرئيس الفرنسيّ أكّد في تصريحاته من باماكو التي أنهى فيها زيارته، أنّ القوّات الفرنسيّة باقية في مالي طالما كانت هناك حاجة إلى ذلك، وأنّ الحرب لم تنته بطرد المجموعات الإسلامية المتطرّفة خارج مدن شمال مالي.
لقد كان شمال مالي طوال عقودٍ منطقة صراع مسلّح تخوضه حركات طوارقية ماليّة متمرّدة ضدّ الحكومة المركزية في البلاد، على خلفية مطالبَ سياسية إثنية بلغت حدود المشروع الانفصالي، لكن الصراع تحوّل جذريًّا في عام 2012 بانخراط جماعات إسلامية مسلّحة متطرّفة فيه، ودخول فرنسا ومن ورائها القوى الغربيّة والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إكواس) إلى جانب الحكومة الماليّة مع بداية عام 2013 في حرب ضدّ هذه الجماعات الإسلامية التي سيطرت على شمال البلاد.
تحاول هذه الورقة فحص مسارات الأزمة في مالي والعوامل التي أثّرت في تطوّراتها، ودوافع التدخّل العسكري الفرنسي، وتوقّعات مآلات الوضع بعد استرجاع القوّات الفرنسيّة والقوى المساندة لها مدن شمال مالي.

التمرد في شمال مالي

يعدّ عدم الاستقرار وحركات التمرد في الشمال سمةً دائمة من سمات الوضع الماليّ. في حين تميّزت الأوضاع السياسية بالصراع على السلطة على وقع الانقلابات والأنظمة الديكتاتورية مع اضطرابات اجتماعية ووضعٍ اقتصادي هشّ، وزادت فترات الجفاف والقحط الممتدّة من حدّته، إذ تعدّ مالي من بين أفقر عشرين دولة في العالم[1].
وظلّت الخريطة الاقتصادية والاجتماعية لمالي على مرّ عقود الاستقلال ترسم خطّ فصل افتراضي بين جزأين متمايزين؛ شمال هو الأكثر تضررًا من الجفاف والأقلّ تنمية تمثّل تمبوكتو وغاو وكيدال أهمّ مدنه، وجنوب تقع فيه العاصمة باماكو وتتركّز فيه الأنشطة الاقتصادية الأساسية في البلاد.
علاوةً على التمايز الاقتصادي الاجتماعي ما بين إقليمَي مالي، فإنّ هنالك أبعادًا أخرى يجب تناولها هنا كعوامل للأزمات المتتالية في مالي. إذ إنّ دولة مالي - البالغ عدد سكّانها 14.5 مليون - شديدة التنوّع من الناحية الإثنية[2]. وغنيّ عن القول إنّ هذا التنوّع الهجين ما هو إلا نتيجة للحدود التي وضعتها فرنسا لمستعمرة "السودان الفرنسي" (تشكّلت في أغلبها من أراضي دولة مالي الحاليّة) ضمن تقسيم مستعمراتها الثماني في غرب أفريقيا في1895 والمعتمد على معايير الثروات الطبيعية التي تمتلكها كلّ مستعمرة وعلى أساس مدى السيطرة الفرنسيّة على مناطقها المختلفة، وليس على أساس التجانس بين سكّان هذه المستعمرات.
قام الطوارق بحركات تمرّد متكرّرة على امتداد العقود الخمسة لاستقلال مالي، وشهدت الفترة ما بين عام 1990 وعام 2009 أكبر عددٍ من محاولات التمرّد. وغذّى عاملان رئيسان عدم الاستقرار في دولة مالي؛ أوّلهما التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين إقليمَي مالي الرئيسين (الشمال والجنوب) وشعور سكّان الشمال وفي مقدّمتهم الطوارق بمحاباة إقليم الجنوب ببرامج التنمية على حساب إقليمهم، أو على الأقلّ فشل سياسات التنمية في الشمال على نحوٍ أشدّ وضوحًا من الجنوب. أمّا العامل الثاني، فهو التنوّع الإثني وهيمنة إثنية واحدة على مقاليد الحكم منذ الاستقلال، ما عزّز الشعور بعدم الانتماء لدى الطوارق والأقلّيات الإثنية الأخرى في الشمال التي أصبحت تنظر إلى الدولة كممثّلة لمجموعةٍ إثنية أو قبلية تهيمن على باقي الإثنيات والقبائل. فالدولة بالنسبة إليهم ليست سوى إثنية "البومبارا" المسيطرة على مؤسّسات الحكم منذ استقلال البلاد في عام 1960[3]. ولم تفشل دولة مالي الحديثة في تحقيق التنمية الاقتصادية المتوازنة بين أقاليمها فحسب، بل فشلت فشلًا ذريعًا في دمج مواطنيها في إطار هويّة جمعية واحدة أساسها المواطنة، تتجاوز حدود الانتماءات الإثنية والقبلية.
وانتهت محاولات التمرّد الطوارقية في القرن الماضي وفي العشرية الأولى من القرن الحالي باتفاقيات سلام بين المتمرّدين الطوارق والحكومة الماليّة. وشهدت الفترة التي تلت آخر اتفاقية من هذا النوع في عام 2009 استقرارًا نسبيًّا، حتّى اندلاع تمرّدٍ جديد في كانون الثاني / يناير 2012. ويختلف هذا التمرّد عمّا سبقه في عدّة وجوهٍ أهمّها:
أوّلًا: إنّ هذا التمرّد هو محصّلة تحالف بين حركات طوارقية وطنية ومجموعات إسلاميّة متطرّفة من جنسيات مختلفة (ماليّة، ونيجيرية، وموريتانية، وجزائرية) نشطت في مناطق الطوارق واستطاعت استمالة بعض المجموعات الطوارقية إلى برنامجها، واستفادت من مخزون السلاح الذي وصل من كتائب طوارقية كانت من ضمن كتائب نظام القذافي قبل سقوطه. ولم يكن هذا التحالف وليد لحظة التمرّد في 2012، فلقد نسجت المجموعات الإسلاميّة المسلّحة والحركات الطوارقية الانفصالية علاقات اعتماد متبادل اقتصادية وأمنيّة ومنفعيّة خلال السنوات القليلة الماضية. وقد ساهم تحوّل طرأ على بعض قيادات التمرّد الطوارقي وعناصره في تسهيل التحالف، إذ أصبحت جماعة "أنصار الدين" الطوارقية السلفيّة الجهاديّة إحدى أبرز الحركات المؤثّرة في مناطق الطوارق[4].
ثانيًا: إنّ جميع اتفاقات السلام التي عُقدت بين الحكومة المركزية والحركات الطوارقية إلى ما قبل هذا التمرّد، وكانت برعاية دولٍ مجاورة وعلى رأسها الجزائر، قد استنفدت إمكانيات استمرارها لأنّها لم تكن ضمن إطار عملية سياسيّة كاملة في مالي، ولم تنعكس إيجابيًّا على سكّان شمال مالي. وخلال السنوات الأربع الماضية، لم تطرح أيّ مبادرات لاتّفاقات بين طرفَي الأزمة. بل لم يكن هنالك تنبّه أو اهتمام من وسطاء اتفاقية سلام 2009 لمتابعة تطبيقها. ولذا، فإنّ محاولات الوساطة السلمية التي تجدّدت خلال عام 2012، سواء تلك التي قامت بها الجزائر أو تلك التي رعتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، جاءت متأخّرة لأنّ الوضع على الأرض قد تغيّر لفائدة حركة التمرّد، إضافةً إلى أنّ العناصر الفاعلة في حركة التمرّد الجديدة كانت مختلفة عن الفاعلين في حركات التمرّد السابقة، فالحركات الإسلاميّة المتطرّفة وكذلك الجناح السلفي للمتمرّدين الطوارق (جماعة أنصار الدين) أصبحت أطرافًا فاعلة في التمرّد، وقيادة هذا التمرد غير معنيّة أو مهتمّة بما يمكن أن تقدّمه هذه التسوية لها أو لسكّان شمال مالي. كما أنّ جهد دول الجوار للوصول إلى اتّفاق تسوية لم يكن مجديًا على الإطلاق، إذ كان المستهدفون منها والمدعوّون للحوار هم الحركات الوطنية الطوارقية التي لا تملك أن تغيّر شيئًا على أرض الواقع بعد أن طُردت من شمال مالي حين أصبح الإقليم تحت سيطرة الحركات الإسلاميّة المتطرّفة.
ثالثًا: جرت حركة التمرّد هذه في وقتٍ كانت فيه الحكومات الماليّة في أضعف حالتها، ففي آذار / مارس 2012 خرجت تظاهرات مندّدة بالحكومة شارك فيها عناصر من الجيش. وفي 22 آذار / مارس أطاح انقلابٌ عسكري بالرئيس أمادو توماني توري. وأصبحت السمة الرئيسة للوضع في العاصمة الماليّة باماكو هي صراع على السلطة في ظلّ توازن قوى هشّ بين النخب السياسية المدنيّة والانقلابيّين العسكريّين الذين أمسكوا بزمام السلطة. ويذكر في هذا السياق أن لا خلاف جوهري بين هذين التيّارين بشأن آليّة التعامل مع الأزمة والموقف المؤيّد للتدخّل الفرنسي والاعتماد عليه.

تدخّل فرنسي لتعزيز النفوذ

لم يكن تدخّل فرنسا العسكري في مالي مفاجئًا، إذ إنّها كانت أكثر اللاعبين الدوليين والإقليميين انغماسًا في الأزمة المالية منذ اندلاعها في عام 2012. وكانت صاحبة الدور الرئيس في نقل أزمة مالي لتناقَش دوليًّا، وفي استصدار ثلاثة قرارات من مجلس الأمن تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتّحدة[5]. وكان الجهد السياسي الفرنسي العامل المحرّك لقيام المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إكواس" بإرسال قوّات إلى مالي في مهمّة الحفاظ على وحدة التراب المالي. اعتمدت إستراتيجية فرنسا في التعاطي مع الأزمة في مالي أساسًا على تدويل الأزمة، وحشد الدعم الإقليمي والدولي لمساندة الحكومة المركزية في مالي، إضافةً إلى اعتمادها على الجهد العسكري لبلدان غرب أفريقيا مع دعمها لوجستيًّا، وماليًّا، واستشاريًّا. وعلى الرغم من تعدّد الأهداف وتداخل المصالح الإقليمية بين بلدان غرب أفريقيا ومالي، فإنّ أحد العوامل المحفّزة لتدخّل قوّات مجموعة دول غرب أفريقيا كان لتحقيق الرؤية والأهداف الفرنسيّة إزاء الأزمة. بل يمكن القول إنّ فرنسا كانت لتكتفي بالتدخّل الأفريقي العسكري لو أنّه كان قادرًا على حسم المعركة، أي أنّها كانت ستكون راضية بأن تخوض قوّاتٌ أخرى معركة بالوكالة عنها فتحقّق أهدافها ورؤيتها من الأزمة الماليّة من دون أن تتورّط قوّاتها في القتال بصورةٍ مباشرة.
إزاء ضآلة احتمال تحقيق التدخّل العسكري الأفريقي بالوكالة عن فرنسا أهدافه، خاصّةً مع إحكام المجموعات الإسلاميّة سيطرتها على شمال مالي وتحضيرها للتوجّه إلى الجنوب واستهداف العاصمة، تحوّل الموقف الفرنسيّ من اللاعب الرئيس باستثمار أداوت غير مباشرة متاحة له إلى اللاعب المباشر وباستخدام أداته العسكرية.
جاء التدخّل العسكري المباشر لفرنسا[6] في أعقاب إعلان حالة الطوارئ في مالي وبناءً على طلبٍ رسمي من الحكومة الماليّة؛ الأمر الذي ساهم في أن تبرّر فرنسا تدخّلها بأنه يقع ضمن إطار مساندة دولة صديقة وليس انتقاصًا من سيادتها، وبهدف طرد المجموعات الإسلامية المتطرّفة، أي أنّ حرب فرنسا أصبحت تقع ضمن "الحرب على الإرهاب" التي أصبحت تعبيرًا هلاميًّا وغير محدّد لكنّه مبرّر ومقبول على الصعيد الدولي في ظلّ استهداف حركات في بلدان عدّة، وبغضّ النظر عمّا تعنيه من اختراق لسيادة تلك البلدان، بل من دون أن تثير أسئلة أو أزمات في منظومة العلاقات الدولية.
بعيدًا عمّا تروّجه فرنسا من أسبابٍ لتدخّلها العسكري، هنالك مجموعة من العوامل تفسّر مجتمعةً هذا الانغماس الفرنسي في الشأن المالي بصفةٍ عامّة، على رأس هذه العوامل أنّ فرنسا لم تكن على الإطلاق بلدًا غائبًا عن المشهد السياسي في منطقة غرب أفريقيا بصفةٍ عامّة وعن المشهد السياسي في مالي بصفةٍ خاصّة. فعلى صعيد مالي، كانت فرنسا لاعبًا أساسيًّا وطوال العقود الماضية في دعم أنظمة سياسية هنالك أحيانًا، وفي دعم معارضيها في أحيانٍ أخرى. وغنيّ عن القول إنّ فرنسا تنظر إلى منطقة غرب أفريقيا كمنطقة نفوذٍ جيوسياسي تمارس التأثير فيها من خلال العلاقات مع أنظمة تلك البلدان أو مع حركاتٍ سياسية محدّدة فيها، وذلك في إطار ما اصطلح البعض على تسميته سياسة "فرنسا- أفريقيا" Françafrique[7]. فتدخّل فرنسا العسكري في مالي ليس أوّل تدخّل لها في أفريقيا، فمنذ عام 1960 تدخّلت أكثر من أربعين مرّة في نزاعاتٍ أفريقية وأزماتٍ داخلية في بلدانٍ أفريقية كانت مستعمرات لها. وتشير مراجعة سريعة لمسوّغات تدخّلات فرنسا العسكرية إلى أنّه لا يمكن إجمال هذه المسوغات في إطارٍ واحد، فأحيانًا كانت تتدخّل لفائدة أنظمةٍ سلطويّة أو ديكتاتورية، وأحيانًا أخرى لفائدة تحوّلات ديمقراطية، ومرّات لمساندة جانبٍ سياسي على حساب آخر. وكانت مصالح فرنسا دائمًا الدافع الثابت لتدخّلاتها العسكرية في أفريقيا بمسوغات متغيّرة.
تمثّل مصالح فرنسا الاقتصادية في منطقة الغرب الأفريقي عاملًا تفسيريًّا آخرَ لإستراتيجيتها في هذا الإقليم وكذلك في تعاملها الأخير مع أزمة مالي. وعلى الرغم من محدودية مصالحها الاقتصادية المباشرة في مالي بحكم محدودية استثماراتها فيها مقارنةً مع بلدان أخرى، إلا أنّ مالي قطعة مهمّة في إطار إقليمٍ تنشط فيه فرنسا اقتصاديًّا. وعليه، فإنّ تهديد استقرارها يهدّد مصالح فرنسا الاقتصادية في بلدانٍ مجاورة مثل: النيجر، والسنغال، وبوركينا فاسو، وكوت ديفوار[8]. ولمالي أهمّيةٌ بالغة بالنسبة إلى فرنسا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مناجم اليورانيوم النيْجرية التي توفّر احتياجات المحطّات الفرنسية النووية التي تقع مباشرةً على حدود النيجر مع مالي[9].
كما يجب أن يُفهم التدخّل في مالي في سياق سياسة هجومية في أفريقيا تتبعها فرنسا في السنوات الأخيرة في إطار تنافسها مع الدول الكبرى على النفوذ هناك؛ فالنفوذ الفرنسي كان عرضةً لخطر الانحسار خلال سنوات إدارة "بوش" 2000 - 2008 التي انتهجت سياسة تدخّلية أميركية واسعة المدى ومتعدّدة الأهداف في أفريقيا، منها السعي لتنويع مصادر الطاقة للاقتصاد الأميركي، وحماية خطوط نقل الطاقة التي تمرّ عبر الممرّات البحرية المجاورة لقارّة أفريقيا (قناة السويس، خليج عدن، ورأس الرجاء الصالح)، ولتعزيز نفوذها السياسي والعسكري. وتعدّدت الوسائل الأميركية لتنفيذ هذه السياسة، فبعضها كان من خلال مساعدات اقتصادية أو تنسيق أمني، وبعضها كان من خلال مشاريع إقامة قواعد عسكرية[10]. وقد تعاملت فرنسا مع هذه السياسة الأميركية بمزيجٍ من مواقفَ دفاعية وتسليم بالأمر الواقع وسياسة الانتظار، ثمّ عادت لتستغلّ التغيير الذي جاءت به سياسة إدارة أوباما الأقلّ توسعيّة في أفريقيا والأقرب للانكماشية، وتبنّت سياسة هجوميّة ذات طبيعة عسكريّة من أجل تثبيت نفوذها ومراكز قوّتها في القارّة. ويتّخذ هذا التنافس الأمني أهمّية قصوى في ضوء حقيقة أنّ التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ اقتصاديًّا راح يُحسَم وبصورةٍ جليّة لفائدة الصين التي أصبحت منذ عام 2009 الشريك التجاري الأكبر لأفريقيا. وإذا كان التدخّل في مالي نموذجًا، فإنّ هذه السياسة الفرنسيّة لا يعترضها أيّ نقدٍ أو معارضة من الشارع أو النخب الفرنسية[11]. فالمتتبّع لتصريحات السياسيّين الفرنسيين وتعليقات الصحافة الفرنسيّة يستنتج أنّ هذه السياسة التدخلية في أفريقيا تكاد تحظى بالإجماع.
تعكس التدخّلات العسكرية الفرنسيّة المباشرة في أفريقيا وتدخّلها الأخير في مالي - بغضّ النظر عن تبريرات فرنسا وحججها - اعتماد فرنسا على ثلاث إستراتيجيات متداخلة ومركّبة في إطار حفاظها على نفوذها في أفريقيا وتنافسها مع دولٍ كبرى أخرى، أولاها العلاقات التاريخية البنيوية بين فرنسا وبعض الأنظمة والحركات السياسية وبعض النخب الاقتصادية والثقافية في تلك البلدان، وثانيتها استثمار العلاقات الاقتصادية القائمة أصلًا وتوسيعها وتعميقها، وثالثتها الإستراتيجية العسكرية والأمنية التي قد تتطوّر في حال الأزمات إلى تدخّلٍ عسكري مباشر.
إذا كانت فرنسا قد لجأت إلى التدخّل العسكري في مالي لتحقيق رؤيتها لحلّ الأزمة في إطار المحافظة على نفوذها ومصالحها، فالملفت للانتباه هو عدم وجود ممانعة دولية أو إقليمية لهذا التدخّل. فبالنظر إلى غياب الحدّ الأدنى من التفاهم بين الدول الكبرى بشأن التدخّل في أزمات مختلفة في العالم، كان من المتوقّع أن يثير تدخّل فرنسا في مالي نوعًا من المعارضة أو على الأقلّ التردّد لدى أقطاب المجتمع الدولي أو الإقليمي. وتشير مراجعة مواقف الدول الكبرى إلى أنّ العكس هو الصحيح، فقد حظي هذا التدخّل بدعم المجتمع الدولي بل إنّ روسيا عرضت تقديم دعمٍ عسكري للتدخّل الفرنسيّ[12]. إنّ نجاح فرنسا في كسب موافقة المجتمع الدولي يترجم اليوم في مؤتمرٍ دولي حول مالي واضح الأجندة، ناقش إمكانية تحويل قوّات المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا لتصبح قوّة حفظ سلام أممية[13].
العملية السياسية في مالي ومصير أمن المنطقة
حقّق التدخّل العسكري الفرنسيّ في مالي على الأقلّ اثنين من أهدافه المعلنة، وهما: وقف تقدّم المجموعات الإسلامية المتطرّفة نحو جنوب البلاد وتهديد العاصمة بماكو، وتحرير معظم المدن الرئيسة في الشمال ممّا دفع هذه المجموعات إلى اللجوء إلى مناطقَ جبلية وعرة في الشمال الشرقيّ لمالي على الحدود الجزائرية. وقد تسعى هذه المجموعات إلى تنفيذ هجمات في إطار حرب عصابات ضدّ القوّات الفرنسية والقوّات المساندة لها، علاوةً على إمكانية تنفيذ عمليات ضدّ مراكزَ حسّاسة (في صناعة النفط والغاز والتعدين) في دول الجوار الجغرافي للساحل الأفريقي، على نموذج عملية عين أمناس الأخيرة في الجزائر.
وعلى الرغم من تصريحات الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بأنّ فرنسا لن تغرق في "مستنقعٍ" جديد في مالي، بعد أن سحبت قوّاتها من المستنقع الأفغاني، نظرًا لأنّها تحظى بدعم الشعب المالي والاتّحاد الأوروبي والمجتمع الدولي، فنجاح القواّت الفرنسيّة والأفريقيّة في إعادة الاستقرار في مالي يتوقّف على عاملين: أوّلهما مصير التحالف بين هذه المجموعات والحركات الطوارقية المتمرّدة؛ أمّا ثانيهما فهو إيجاد حلٍّ شامل وعادل لمطالب الطوارق، من خلال عملية سياسية شاملة في مالي، تسمح ببناء نظامٍ ديمقراطي يستوعب جميع أطياف المجتمع الماليّ وخاصّةً الطوارق الذين يعانون من التهميش والإقصاء.
نلاحظ فيما يخصّ العامل الأوّل، أنّ "الحركة الوطنية لتحرير أزواد" الطوارقية سارعت إلى اقتراح تقديم خدماتها للقوّات الفرنسية والأفريقية من أجل ملاحقة أعضاء الجماعات الإسلاميّة المتطرّفة. ولقد ألقت القبض بالفعل، مؤخّرًا على عنصرين بارزين من "حركة أنصار الدين" الطوارقية السلفية و"حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا" المرتبطة بالقاعدة، قرب الحدود مع الجزائر وسلّمتهما للقوّات الفرنسية. كما انشقّ عدد كبير من قيادات "حركة أنصار الدين" الذين شجبوا تحالف الحركة مع المنظّمات المتطرّفة المرتبطة بالقاعدة، وأسّسوا تنظيمًا جديدًا تحت اسم "حركة أزواد الإسلامية"، في محاولة لتبرئة أنفسهم من كلّ ما هو مرتبط بالقاعدة.
أمّا فيما يخصّ العامل الثاني، فإنّه من المبكر الحكم على نوايا الحكومة الماليّة وعلى قدرتها على بناء علاقة جديدة مع الطوارق، ولكن فشل جميع المحاولات السابقة لإيجاد حلٍّ سياسي عادل لهذه المعضلة منذ استقلال مالي عن فرنسا في الستينيات من القرن الماضي إلى حدّ الآن، لا يبشّر بالخير، وخاصّةً في ضوء الممارسات الانتقامية والتجاوزات التي يتعرّض لها الطوارق والعرب على أيدي القوّات الماليّة في عملياتها العسكرية لإعادة السيطرة على شمال البلاد. والجدير بالذكر أنّ الحركة الوطنية لتحرير أزواد انتهزت فرصة التدخّل العسكري الفرنسي من أجل العودة إلى الميدان بقوّة في منطقة كيدال التي تعدّ معقلها التقليدي، وفرض وجودها كقوّة فعلية في شمال شرقيّ مالي، بعد أن طردتها الحركات الإسلاميّة المتطرّفة. ولا يبدو أنّ الحركة الوطنية لتحرير أزواد قد تخلّت عن مطلبها بالاستقلال، وعبّرت عن هذا التوجّه من خلال رفضها دخول قوّات ماليّة إلى مدينة كيدال إلى جانب القوّات الفرنسيّة والأفريقية. ولهذه الأسباب، لا تدلّ المؤشّرات الأوّلية على العلاقة ما بين الحكومة المركزية في بماكو ومجموعات الطوارق في الشمال الشرقي للبلاد، على نهاية الصراع بينهما. إذ لا تزال الفجوة كبيرة وانعدام الثقة متجذّرًا بين الطرفين. وعليه، فإنّه من غير المستبعد أن ينفجر الوضع في المستقبل ويفتح جبهات جديدة في دول الجوار، علمًا أنّ المسألة الطوارقية ليست محصورة في مالي فقط، فمناطق انتشار الطوارق تتوزّع بين النيجر وليبيا والجزائر. وتبقى مسألة تحالف الطوارق مع المجموعات المسلّحة المتطرّفة أو غيرها من أطرافٍ وقوًى خارجية مفتوحة لحسابات المراحل القادمة.
وتبرز أيضًا أهمية الدور الذي يجب أن تقوم به دول المغرب العربيّ في إنهاء الوضع الخطير القائم عند حدودها الجنوبية، وتبدأ في الاعتراف بدورها السلبي في هذه الأزمة نظرًا للصراعات والتنافس فيما بينها بدلًا من توحيد مساعيها من أجل بلورة سياسة أمنيّة تكون جزءًا من سياسة منطقة المغرب العربي نحو الجنوب الأفريقي في إطار مفهوم الأمن القومي العربيّ. لقد كان من الأجدر لدول المغرب العربي، والجزائر خاصّةً، أن يكون لها الدور الريادي في حلّ أزمة مالي، علمًا وأنّ الجزائر قد بادرت في السابق بإنشاء القيادة العسكرية المشتركة بين دول الساحل، ومقرّها تمنراست في الجزائر، من أجل منع أيّ تدخّلٍ خارجي في المنطقة. ومن الغريب أنّ هذه المؤسسة لم تفعَّل ولم تقم بالدور المنوط بها. كما لا يجب أن ننسى أنّ الأزمة الحاليّة في شمال مالي تجد جذورها، علاوةً على العامل الداخلي، في عواملَ إقليمية مرتبطة بالوضع السياسي في دول المغرب العربي. إذ إنّ هذه المجموعات الإسلاميّة المتطرّفة الناشطة في منطقة الساحل هي من إفرازات الصراع السياسي في الجزائر والحرب الأهليّة فيها، وتداعيات التدخّل الخارجي أثناء الثورة الليبيّة، وانتشار السلاح في المنطقة الذي سمح بحسم المعارك لصالح المتمرّدين والجماعات الإسلامية المتطرّفة في شمال مالي في بداية عام 2012. على دول المغرب العربي أن تمارس دورها في الدفع نحو عمليةٍ سياسية في مالي وإطلاق مشاريع التنمية فيها، على أن تكون هذه المساهمة في إطار سياسة أمنٍ قومي عربيّ شامل لا يتوقّف عند حدودها الجغرافية.
قد تنجح العملية العسكرية التي تقودها فرنسا، على المدى القصير، في طرد المجموعات الإسلامية المتطرّفة وملاحقتها نظرًا لطابعها وعدم تمتّعها بقاعدة شعبية محلّية في مالي، عكس حركة طالبان في أفغانستان مثلا المتجذّرة في الوسط القبلي الباشتوني؛ ولكن، وعلى المدى البعيد، فإنّ عودة الاستقرار إلى مالي ومنطقة الساحل تتوقّف على مدى جدّية العملية السياسيّة وشموليتها ووضع الأسس لسياسة تنمويّة شاملة بدعمٍ إقليمي ودولي.
أمّا عن فرنسا، فإنّه يمكن اعتبار تدخّلها العسكري في مالي ضمن إجماعٍ فرنسي داخلي، دلالة على أنّ سياسة "فرنسا المهيمنة" في أفريقيا لا تزال حاضرة خلافًا لما أعلنه الرئيس هولاند أنّ سياسة "فرنسا- أفريقيا" ذات الأبعاد الاستعمارية هي من الماضي[14].


*  تشيع كتابة الاسم "طوارق" في عدد من الدول العربية، ويُكتب في أخرى "توارق"، وبالبحث في أصل الكلمة، تشير المراجع إلى أنها التسمية التي أطلقها العرب على شعب أمازيغ الصحراء الكبرى من دون أن تحدّد هذه المراجع مصدر التسمية بصورةٍ قطعيّة، إذ هناك روايتان منتشرتان؛ إحداهما تقول إنّ التسمية تحريف لعبارة "توارك" - أي المتروكون أو التاركون - باللغة العربية، والثانية تشير إلى ارتباط التسمية بمدينة "تارقة" (تعني باللغة الأمازيغية: الساقية) في منطقة "فزّان" في جنوب ليبيا التي يُعتقد أنّ الطوارق ينحدرون منها.. ويجدر هنا أن نذكر أنّ "الطوارق" يسمّون أنفسهم "كَلْ تاماشاك" (أو "من يتكلّمون "تماشاك" وهي النطق الطوارقي لاسم لغة "تمازيغت" أي الأمازيغية).
[1]  "The Poorest Countries in the World", Global Finance, viewed 20/1/2013
يعيش نحو نصف عدد السكّان تحت عتبة الفقر (أقلّ من 1.5 دولار في اليوم) ويبلغ دخل الفرد السنوي من الناتج الإجمالي المحلي نحو 1117 دولار (المرتبة 213 عالميًّا).
[2]  مع اختلاف التقديرات من مرجع إلى آخر، إلا أنّ الثابت أنّ أكبر المجموعات الإثنية في مالي عددًا هي "الماندينغ" (نحو النصف. وتضمّ قبائل وإثنيات فرعية مثل "البامبارا" و"المالنكي" و"السنونكيين") والتي تحتكر السلطة السياسية منذ الاستقلال، وبعدها "الفولان"، وهناك عدد كبير آخر من الأعراق مثل "السونغاي" و"الونينكيين" و"البوبو" و"المينيوناكا"، في حين تُجمع التقديرات على أنّ الطوارق الأمازيغ مضافًا إليهم العرب ليسوا سوى أقلّية (10% على أكثر تقدير) مثل الكثير من الأقلّيات في مالي.
[3]  André Bourgeot, "Identité Touarègue: De l'Aristocratie à la Révolution", Études rurales, no. 120 (Oct. - Dec., 1990), p. 146.
[4]  "أنصار الدين" حركة انفصالية طوارقية ذات نهج ديني سلفي، أسّسها إياد آغ غالي وهو من أبناء أسر القيادات القبلية التاريخية لقبائل الإيفوغاس الطوارقية، وكان قائد التمرّد الطوارقي في مالي في عام 1990، ولم يُعرف عنه حينها أيّ توجّهٍ إسلامي بل كان أقرب إلى الفكر اليساري القومي، وشارك في حركات التمرّد سنوات 1995 و1996 و2006. وبعد اتفاقية مع الحكومة المالية أنهت التمرد، عُيّن آغ غالي قنصلًا لمالي في جدّة في السعودية، وعاد إلى بلاده بعد ذلك وجمع حوله الكثير من الأنصار من قبيلته ومن أبناء الطوارق ممّن تشبّعوا بالفكر الجهادي بعد أن أعلن تبنّيه النهج السلفي.
[5]  القرار رقم 2056 بشأن تعزيز الأمن في غرب أفريقيا، وشمل عدّة فقرات عن الوضع في مالي (5 تمّوز / يوليو 2012)، والقرار رقم 2071 بشأن مالي (12 تشرين الأوّل / أكتوبر 2012)، والقرار رقم 2085 بشأن مالي (20 كانون الأوّل / ديسمبر 2012).
[6]  نفّذت الطائرات الفرنسية أولى عمليات قصف ضدّ المجموعات الإسلامية المتطرّفة التي كانت بصدد الزحف نحو جنوب مالي في 11 كانون الثاني / يناير 2013، وأرسلت بعد ذلك قوّات برّية تعدادها 2500 جنديّ شاركت معها وحدات الجيش المالي وقوّات من دول المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا وصل عددها إلى 3000 جنديّ.
[7]  أطلق رئيس كوت ديفوار الأول، فليكس هوفوي-بوانيي في عام 1955 تعبير "فرنسا- أفريقيا"بمعنى إيجابي،  في تعبيره عن  رغبة بعض القادة الأفارقة في الحفاظ على نوعٍ متميّز من العلاقات بين بلدانهم والمستعمر السابق فرنسا أثناء نقاش كان قائمًا بشأن مقترح فرنسا لمستعمراتها الأفريقية (جنوب الصحراء) بالاستفتاء على الاستقلال أو الحصول على الحكم الذاتي ضمن السيادة الفرنسيّة. واعتمد فرنسوا غزافييه فيرشاف هذا المصطلح في كتابٍ له صدر في عام 1998 لتوصيف السياسة المريبة لفرنسا في أفريقيا والقائمة على دعم الدكتاتوريات والاستعانة بالمرتزقة لتنفيذ الانقلابات والاغتيالات السياسية. انظر:
François-Xavier Verschave, La Françafrique : Le Plus Long Scandale de la République (Paris : Éditions Stock, 1998).
[8]  على الرغم من أنّ البعض يدّعي أنّ مالي قد تكون لها احتياطيات كبيرة من النفط والغاز في ظلّ تواتر معلومات عن نتائج جيّدة لعمليات الاستكشاف التي تقوم بها شركات توتال الفرنسية وإيني الإيطالية وسونطراك الجزائرية.
انانظر:
Tarik Ramadan, "Le Mali, la France et les Extrémistes", Tarik Ramdan's blog, 17/1/2013, viewed 6/2/2013http://www.tariqramadan.com/spip.php?article12693&lang=fr
[9]  توفّر هذه المناجم 50% من حاجات محطّات فرنسا النووية.
[10]  بدأ هذا التوجّه منذ بداية الألفية الجديدة ومع إقرار الكونغرس "قانون التنمية والفرص في أفريقيا"(African Growth and Opportunity Act) سنة 2000، وتبعه بعد ذلك وضع إستراتيجية أميركية تجاه أفريقيا في أعقاب هجمات 11 أيلول / سبتمبر 2001 للولايات المتحدة الأميركية قاعدة عسكرية كبيرة في جيبوتي (يوجد فيها نحو 2000 جندي)، وحصلت على موافقة العديد من الدول الأفريقية كي تستخدم القوّات الأميركية موانئها ومطاراتها.
انظر تصريحات قائد القوّات الأميركية في أفريقيا "أفريكوم" الجنرال كارتر هام عن توسّع الوجود الأميركي في أفريقيا:
Luis Ramirez, "US Military Expands Presence in Africa", Voice Of America, 25/6/2012 viewed 20/1/2013http://www.voanews.com/content/us-military-africa/1249035.html
[11]  أجمعت القوى والنخب السياسية الفرنسية بيمينها ويسارها على الوقوف جبهة واحدة وراء الرئيس فرنسوا هولاند في القرار الذي اتّخذه بإرسال القوّات الفرنسية إلى مالي، ولم يسمع صوت معارض لهذا التدخّل باستثناء صوت النائب في الجمعية الوطنية الفرنسيّة وأحد أقطاب تيّار الأيكولوجيين، نوال مامير، الذي رأى أنّ التدخّل هو استمرار لسياسة فرنسا- أفريقيا ذات الخلفية الاستعمارية.
يمكن العودة إلى تصريحات نوال مامير لإذاعة "فرانس بلو" على الرابط:
[12]  Pierre Avril, "Mali : Moscou Promet une Aide Militaire à la France",Le Figaro (France), 18/1/2013, viewed 25/1/2013http://www.lefigaro.fr/international/mali-moscou-promet-une-aide-militaire-a-la-france.php.
[13] "Support grows for U.N. force in Mali", Reuters, 5/2/2013, viewed 7/2/2013 http://www.reuters.com/article/2013/02/05/us-mali-talks-idUSBRE91414U20130205
[14]  أعلن فرنسوا هولاند في خطابٍ ألقاه خلال زيارته السينغال في تشرين الأوّل / أكتوبر 2012 أنّ زمن سياسة "فرنسا المهيمنة على القارّة الأفريقية" (فرنسا- أفريقيا) قد ولّى.
"François Hollande à Dakar : ‘Le temps de la Françafrique est révolu' ",Le Monde, 12/10/2012, viewed 20/1/2013http://www.lemonde.fr/afrique/article/2012/10/12/hollande-exprime-sa-grande-confiance-dans-le-senegal-et-l-afrique_1774886_3212.html

عمليات تطهير عرقية واسعة في تمبكتو..والحصيلة بالعشرات

الحدث الأزوادي – خاصالعنف في مالي
شهدت مدينة تمبتكو يوم أمس الأربعاء عمليات تصفية عرقية واسعة النطاق .
وذكر شهود عيان أن “الجيش المالي والمليشيات التابعة له تطلق النار على أي صاحب بشرة بيضاء دون تحقيق أو توقيف” .
وبلغت الحصيلة حسب المصادر -حتى موعد نشر الخبر- أربعة مدنيين من الطوارق يحتفظ الحدث بأسمائهم وعدد غير معلوم من العرب تم إعدامهم بطريقة عشوائية .
من ناحية أخرى أعلن وليام هيج وزير الخارجية البريطاني أن حكومته تأخذ التقارير الواردة من مالي حول تعديات على حقوق الإنسان مأخذ الجد مطالبا بالتحقيق في هذه الانتهاكات التي تنسب للقوات الحكومية.
وأضاف هيج في تقرير حول مالي أمام مجلس العموم اليوم الأربعاء: “سيكون على رأس أولويات مهمة التدريب الأوربية في مالي التدريب على المحافظة على حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي وهو ما ستركز عليه أيضا المملكة المتحدة من خلال جهدها في مالي”.

الجيش المالي في “تلينغو”..وعمليات سلب ونهب متبادلة

الحدث الأزوادي – خاص5214680-7781600
أكدت مصادر للحدث الأزوادي وصول الجيش المالي إلى بلدة “تلينغو” جنوب شرق ليرا التي تبعد عنها حوالي 200كم .
وقالت المصادر: ان الجيش المالي وصل اليوم الأربعاء إلى البلدة بغطاء جوي فرنسي .
ما يشكل أول توغل للقوات المالية داخل الأراضي الأزوادية في تلك الجهة منذ انسحاب أنصار الدين من جابلي في 19 من يناير الفائت .
من جهة أخرى شهدت منطقة غرب تمبكتو أعمال سلب ونهب متبادلة بين السكان المحليين تقف خلفها دوافع عرقية .
وأفادت المصادر “خلو المنطقة من تواجد أي قوات مقاومة” .
وفي شأن آخر حذرت نافي بيلاي مفوضة الامم المتحدة لحقوق الانسان الثلاثاء من ان مالي تواجه مخاطر الانزلاق الى دوامة عنف ليس فقط من قبل مجموعات متمردة وانما ايضا من قبل الجيش لا سيما مع وقوع هجمات انتقامية تستهدف الطوارق والعرب المتهمين بدعم المتمردين.0,,16591413_401,00
وقالت بيلاي امام مجلس الامن الدولي “ان الهجمات والاعمال الانتقامية من شأنها ان تدفع بمالي الى دوامة عنف كارثية”.
واتهمت مجموعات مدافعة عن حقوق الانسان الجيش المالي بقتل اشخاص يشتبه في انهم مؤيدون للمتمردين والقاء جثثهم في آبار فيما تعرض الطوارق والعرب ايضا لهجمات في مدن بشمال البلاد مثل تمبكتو. وقد فر العديد من الطوارق والعرب من أزواد .
وبحسب الامم المتحدة فان الازمة تسببت بنزوح 377 الف شخص بينهم 150 الفا غادروا حدود مالي.
وقال نوازي كارل من مجموعة اطباء بلا حدود الاربعاء ان “التطورات الاخيرة للنزاع بثت الذعر لدى هؤلاء الاشخاص”.
وحذرت المنظمة من أن اللاجئين يعيشون في ظروف صعبة جدا ويواجهون خطر المجاعة.

روسيا تزود باماكو بأسلحة لمواجهة الإسلاميين

الأخبار (نواكشوط) ـ أعلن مدير الوكالة الروسية العامة المكلفة بتصدير الأسلحة "روسوبورون اكسبورت" اليوم الأربعاء (13 ـ 02 ـ 2013)، إن روسيا زودت سلطات مالي بأسلحة نارية وان المفاوضات جارية لتسليم المزيد من الأسلحة.

وصرح "اناتولي ايسايكين" قائلا "لقد سلمنا أسلحة نارية. وآخر عملية تسليم تمت قبل أسبوعين. المفاوضات جارية لعمليات تسليم إضافية بكميات صغيرة"، حسبما نقلت عنه وكالات الأنباء الروسية.

وتسعى سلطات مالي لإعادة الأمن إلى البلاد بعدما ساعدها التدخل العسكري الفرنسي على طرد الجماعات الإسلامية المرتبطة بتنظيم القاعدة التي كانت تسيطر على شمال البلاد.

الأخبار + وكالات 

عار عليكم هذا الصمت

محمد المزيني *
الحياة /  الأربعاء ١٣ فبراير ٢٠١٣
ليس أنسب من كلمة «عار» للتدليل على واقع طوارق وعرب «أزواد» شمال مالي العزل، الذين يتعرضون لعمليات إبادة منظمة على أيدي الأفارقة الماليين، ومن خلفهم الجيش الفرنسي داعماً ومؤيداً ونصيراً، المقاتلات الفرنسية تقصف مناطق واسعة بحجة وجود مقاتلين من حركة أنصار الدين، وتستهدف محطات البترول، والأماكن التي يؤمن السكان منها حاجاتهم اليومية وتصيب مدنيين عزلاً لا حول لهم ولا طول، وكأنهم يحاربون طواحين الهواء، فيما يقوم الجيش المالي النظامي بتنفيذ إعدامات متوالية، إذ أكدت المنظمات الدولية أن عمليات الإعدام تتم في شمال البلاد «أزواد»، إذ يُقتاد المدنيون في وضح النهار ويُقتلون بدم بارد وتُلقى جثثهم في الآبار.
بالأمس القريب تم إعدام مجموعة من طلبة العلم العرب المقبلين من أماكن لم يعلن عنها لأسباب سياسية، ممن جاؤوا لحفظ القرآن الكريم، ترتكب هذه المجازر، الحكومة المالية تمارس تطهيراً عرقياً للعرب والطوارق ويضعون أيديهم على بيوتهم وممتلكاتهم، وقد أكدت المصادر الإعلامية فرار نحو 60 ألفاً منهم إلى المناطق الحدودية هرباً من الموت، طبعاً كل هذه الأخبار وما يتبعها من تعليقات مشمولة بالمخاوف تأتينا من المنظمات الدولية، في حين بات الإعلام العربي نائياً بنفسه عن كل ما يتعلق بهذا الملف الساخن، وكأنها قضية معزولة تماماً عن عالمنا، فلم نسمع عريضة احتجاج ترفعها حكومة عربية، كما لم تتحرك حمية الإخوانيين والصحويين الفرحين بفوز الإخوان المسلمين بالانتخابات المصرية وتسنمهم سدة الرئاسة «إلا من ندر منهم ويعدون على الأصابع»، هل أنساهم هذا الفتح العظيم هموم وآلام الآخرين، هل أشغلته الخطب العصماء التي تُلقى على مسامع المصريين المتلهفين لهم، وكأنهم لم يسمعوا ديناً حقيقياً كالذي يفوهون به... لقد حصحص الحق وانكشفوا أمام العلن، بعدما ثبت انسياقهم لشهوة السلطة والمال والشهرة.
أما الطوارق والعرب المعروفون بحفظهم لكتاب الله وسنة رسوله، المتمسكون بعرى الدين، المتحدثون بلسان عربي مبين، المكافحون من أجل البقاء أحياء بين أيادي الحكومة الأفريقية المتربصة بهم التي تتخطفهم ليل نهار، وطائرات الفرنسيين المحلقة قريباً من رؤوسهم لتمطرهم بوابل من الصواريخ، فلا يستحقون منهم مجرد نظرة اعتبار، هل ينتظرون دعوة لحملة جهادية على غرار الجهاد الأفغاني المدعوم بقوى غربية كي يتحرك ساكنهم، أم لأن الفرنسيين هم جزء من الكتلة الغربية التي يجب ألا يناصبوا العداء ليفعلوا ما يشاؤون بالعرب والطوارق، تحت صمت مطبق، وعلى أرضية من المؤازرة والتأييد من البعض، بالأمس القريب دشنت فرنسا نصباً تذكارياً لضحايا «الهولوكوست»، صرح الرئيس الفرنسي وقتها قائلاً: «لا بد من أن نقاتل دائماً ضد الظلامية، وضد الكراهية، وضد الإرادة الهدامة، وضد التعصب المستعد دائماً، والذي لديه رغبة دائماً في تدمير حرياتنا»، وقال: إنه لا يزال هناك من «يضعون معاداة السامية وكراهية الغير في بؤرة هواجسهم ويريدون أن يمزقوا التسامح الذي أورثناه عبر التاريخ».
فإذا كانوا صدقاً ما يدعون فلماذا يتدخلون بشؤون الغير ويبيدون في طريقهم عزلاً لا حول لهم ولا طول.
هل يستشعر الفرنسيون اليوم ميولهم الاستعمارية القديمة منشقين عن أبسط القيم المؤسسة لنهضتهم التنويرية المتمثلة في الحرية والعدالة والمساواة؟ لتخرج لنا في مالي بوجه آخر مختلف، وتقوم بما تقوم به من قصف عشوائي يقتل العُزل، ويدمر المراكز العلمية المليئة بالآثار والمخطوطات.
أستغرب من بعض الكُتّاب ومناصرتهم للقوات النظامية المالية ومطالبتهم ببذل المزيد من الإعدامات والتصفيات للعرب والطوارق! هل نضب ماء الحياء من وجوههم وتقلصت الحمية لديهم إن كان هناك حمية، هؤلاء الذين ينسلون أفكارهم من عقد نفسية تعيدهم إلى أصولهم القديمة، يكيلون بمكيالين، فنراهم يصفقون لكل المنشقين عن حكوماتهم في مهرجان الربيع العربي، في حين يشيحون بوجوههم عن المجازر التي توقع بالطوارق والعرب، من بني أرومتنا وديننا، عزلاً في صحراء جرداء، لو كان الظلم يقع على أيدي النظام المالي ويخلى بينهم وبين مواطنيهم لقلنا هذه حرب أهلية، أما أن تأتي قوات دخيلة لتبيد كل عربي أو طارقي يدب على وجه الصحراء على أنه من الجماعات الثائرة، فهذا أمر مرفوض، فالحقائق التي يتجاهلها الكثير المثبتة على أرض الواقع أن الإبادة المنظمة موجهة بتخطيط مسبق للعنصرين الطارقي والعربي، بغض النظر عما يقوم به أنصار الدين في جهات ما من البلاد، على رغم أن الصراع غير متكافئ، لا في العدد ولا في العدة، ثم هل تعجز القوات الفرنسية بتقنياتها عالية الدقة وأسلحتها محاصرة هؤلاء والتعامل معهم بما يليق عوضاً عن توهيمات فجة لتبرير ما تقوم به.
اليوم ثمة حاجة ماسة للحراك السياسي على كل الأصعدة وتثوير هذه القضية لجعلها محور اهتمام العالم، لإنقاذ أرواح بريئة من القتل على أيدي القوات الدخيلة وجراء الجوع الذي يفتك بهم، اليوم الأزمة بحاجة ماسة للتدخل السريع لوضع حد لهذه المأساة، مؤتمر القمة الإسلامي مسؤول عن تبنيه بشكل كامل وجهة النظام العنصري في «باماكو»، المتمثل في بيانها الختامي لقمتها العادية التي عقدت في القاهرة، وللتكفير عن التواطؤ الفاضح مع العدوان وتغطية الإبادة العرقية التي تقوم بها حكومة مالي بدعم مباشر من فرنسا وأعوانها الأفارقة، يجب المسارعة في الدعوة لعقد جلسة طارئة يتدارس فيها واقع الشعب المالي الواقع تحت طائلة القتل العشوائي والتهجير.
يجب على قادة العالم الإسلامي اتخاذ موقف أخلاقي، كما فعلوا مع كل شعوب الربيع العربي، الذين يعانون من ويلات أنظمتهم، عليهم اتخاذ قرارات حكيمة تسهم في إيقاف نزف لن يندمل حتى يأتي على آخر طارقي وعربي يدب على الصحراء، كما يجب أن يوجه الإعلام العربي خصوصاً بالتعاطي مع هذه القضية بالجدية نفسها التي تلقاها القضايا الأخرى.
من السخف جداً أن يخرج داعية معروف على قناة فضائية ويقول ببرود: «مالي جرح جديد و«القاعدة» ليسوا تكفيريين؟»، أهكذا ندافع عن عرق بأكمله يصل إلى ثلاثة ملايين نسمة يُباد ويُهجر ويُنتهك على مسامعنا وأبصارنا؟ وهل يخضع كل شيء حتى الدماء للمصالح الشخصية؟ 
* كاتب وروائي سعودي.
almoz2012@hotmail.com
@almoziani

الثلاثاء، 12 فبراير 2013

حركة تحرير أزواد تهدد بحرب ضد الجيش المالي

وكالة اخبا ر موريتانيا  

أعلنت "الحركة الوطنية لتحرير أزواد" في مالي، اليوم الإثنين، عن اختطاف أحد قيادييها وثلاثة مقاتلين يرافقونه في منطقة ميناكا قرب مدينة غاو شمال البلاد، محملة المسؤولية للقوات الفرنسية، ومهددة باستئناف القتال ضد قوات الجيش المالي.
وقالت الحركة، في بيان وصل مراسل وكالة الأناضول للأنباء نسخة منه، إن "حادثًا خطيرًا وقع يوم السبت 9 فبراير/شباط الجاري بمنطقة ميناكا، حيث فقدت الحركة الاتصال بعبد الكريم أغ مطافا، عضو المجلس الانتقالي لدولة أزواد، وثلاثة مقاتلين من الحركة".
وأوضحت أن "أغ مطافا ومرافقيه فقدوا بعد مكالمة هاتفية من ضابط فرنسي برتبة نقيب كان مكلفًا بالتواصل معه في إطار التنسيق بين الجانبين ضمن عملية سيرفال (العسكرية في شمال مالي)، حيث دعاه إلى الالتحاق به على بعد كيلومترات من ميناكا".
وذكرت الحركة أنها "علمت من مصادر متطابقة أن قائد الجيش المالي في ميناكا قرر تسليم أغ مطافا لسلطات باماكو؛ لذلك نندد بخيانة ثقة الحركة من قبل ضباط الجيش الفرنسي".
وحمّلت الحركة فرنسا "المسؤولية الكاملة على هذا الوضع"، داعية إياها إلى "الكشف عن ملابسات الحادث من القوات الفرنسية، وتحريرهم (الأربعة) في أقرب وقت"، فيما لم يصدر تعقيب فرنسي فوري حول ما جاء في البيان.
وهددت الحركة بمباشرة قواتها خلال الأيام القادمة "حربًا بلا هوادة ضد القوات المالية عبر إقليم أزواد دون استثناء المدن التي تم احتلالها مثل غاو وتمبكتو، حيث ترتكب القوات المالية جرائم ضد السكان أمام أنظار الجيش الفرنسي".
وكانت "أزواد" قد أعلنت مع بداية العمليات العسكرية بشمال البلاد، من قبل القوات الفرنسية والأفريقية، استعدادها للتعاون مع القوات الدولية لمواجهة "الجماعات الجهادية،" شريطة عدم دخول القوات المالية إلى مدن إقليم أزواد.

 أنباء الاناضول